وزراء ونوّاب وتعلّم الحجامة في روس اليتامى …

0 609

بقلم : رشيد الكرّاي

لدينا هنا في تونس أفلام هندية متواصلة ، وكأننا اعتدنا عليها، من حيث الدراما والنهايات الغريبة والأبطال الوهميين والبطولات الكاذبة والخدع الصوتية وغير ذلك.

الأفلام الهندية مقبولة في عروض السينما والتلفزات ، لكن حين نراها في السياسة ، نضع أيدينا على قلوبنا ، فلا شيء يتغير، فالكل يضحك على الكل ، وعرض الفيلم المكرر يتواصل منذ عشرات السنين ، والذي يحدثك عن وجود إصلاح سياسي ، عليه أن يسكت ، فهو غير مقتنع بما يقول ، لكن دوره في هذا الفيلم الطويل، يفرض عليه هكذا كلام.

نأخذ نموذجين مهمّين في إدارة الشأن العام ، أولهما اختيار أشخاص ليصبحوا وزراء فجأة ، وهي ظاهرة عابرة لكل الحكومات ، بمن فيها تلك التي بصدد التشكيل هذه الأيام ، إذ غالبا ما يتم استدعاء المكلف بالوزارة من غرفة نومه ، ليصبح وزيرا وبشكل مفاجئ ، وقد لا يكون متخصصا في ملفات وزارته أساسا، والمثير هنا غياب أيّ نص دستوري يجبر الوزير على الخضوع لدورة سياسية وإدارية تتعلق بموقع الوزير، لمدة أسبوعين مثلا ، يتم وضعه خلالها في صورة ملفات وزارته ومشاكلها، وما هو مطلوب منه ، إضافة الى كيفية تصرفه داخل مجلس الوزراء ، وأمام النواب  ووسائل الإعلام .

هذا سيناريو يتكرر عشرات ومئات المرات ، فيأتي وزراء يُضيعون ثلاثة أشهر وهم يتعلمون على رؤوسنا ، مثل الحلاقين الجدد، خصوصا إذا قدموا من خلفيات غير حكومية ، أو بخبرات ليست على صلة بالموقع الوزاري الذي حصلوا عليه.

والرأي عندي أنه لا بد من نص دستوري ملزم يجعل بقاء الحكومة المستقيلة أو المكلّفة بتصريف الأعمال لمدة أسبوعين أو أكثر ، أمرا دستوريا ، فيما الحكومة المكلفة وبعد أداء اليمين ، يتم تحديد توقيت لاحق لتولي أعمالها بعد أسبوعين أو أكثر ، بحيث تخضع الحكومة المكلفة رئيسا ووزراء لورش عمل حول ملفات الحكومة وأعمال الوزراء ، الجانب الإداري ، الصلاحيات ، التعامل مع قوى المجتمع وغير ذلك ، فتتولى الحكومة التي أدّت اليمين مهامها الفعلية بعد فترة تجهيز وتدريب وتهيئة ، بدلا من طريقة الركوب السريعة هذه على ظهورنا.

الأمر ذاته ينطبق على النواب ، وباستثناء الذين باتت لديهم خبرة متراكمة ، فإن أكثر من تسعين بالمائة من النواب الجدد ، لا يعرفون من النيابة سوى الوجاهة وإلصاق الشارات على بلّور سياراتهم والركض من أجل استبدال الجواز العادي بآخر دبلوماسي. هؤلاء أغلبهم يجهل تفاصيل الدستور التونسي والقوانين ، والنظام الداخلي لمجلس نواب الشعب ، ومعنى صلاحيات النائب الرقابية والتشريعية ، والعلاقة مع الحكومة والمجتمع المدني ومع المواطنين ، ونرى كل مرة كيف يقفز النائب الفائز، من عالمه الى عالم جديد ، فيمضي العام الأول وربما الثاني ، والكل يتلاعب به ، فينزلق بعضهم عضوا في كتلة نيابية لا يعرف لماذا دخل فيها، ويتفوّق عليه كل النواب القدامى ، من حيث خبراتهم السياسية والقانونية ، ويمضي هؤلاء وقتهم مجرد شهود زور ، فلا يتعلمون إلا قليلا، وعلى حساب الناخبين ؟

كان الأصل هنا، أن يخضع كل النواب الجدد إلى دورة لا تقل عن أسبوعين إلى ثلاثة ، وتكون موزعة على قضايا عدة ، دستورية وقانونية ، إضافة إلى ملف صلاحيات النائب ، وطبيعة اللجان النيابية والكتل ، وغير ذلك من القضايا ، ولا يدخل النائب البرلمان ، إلا بعد أن يصبح جاهزا في الحد الأدنى من أجل موقعه ، بدلا مما نراه هذه الأيام، حين يلتزم أغلب النواب الصمت بذريعة الحكمة أو تكفل رئيس الكتلة التي ينتمي إليها بمؤونة التعبير عن الموقف ، فيما الحقيقة أن صمت النائب يعبّر عن قلة الحيلة والضعف وعدم الإلمام بالملف موضوع النقاش .

لقد طالب الناس مرارا بتغيير آلية اختيار رؤساء الحكومات ، فلم يستمع أحد، لكننا نقول إنه في الحد الأدنى، لا بد من إعادة النظر في طريقة اختيار الوزراء ، إضافة الى تأهيل الوزراء الجدد ، لفترة مغطاة دستوريا قبل تولّي مهامهم ، وهذا ينطبق على النواب أيضا .

من المحزن حقا أن يستمر هذا المشهد ، فشخص متخصص في المياه أو الفلاحة يأتي وزيرا للسياحة مثلا ، ويجهل كل ملفات وزارته، ومعه شخص آخر قد يكون متخصصا في ملفات وزارته ، لكنه من خارج الوزارة وبحاجة الى فترة تدريب وتأهيل خارج الموقع الوزاري، وبعد أدائه لليمين وقبيل توليه للموقع الفعلي . الأمر ذاته مع هؤلاء النواب الآتين من خلفيات متعددة ، يقفزون على أكتافنا ، لا يحفظون حتى كلمات النشيد الوطني ، ولا يعرفون دستورا ولا قانونا، ولا صلة لهم بالنظام الداخلي، ولا يستشيرون أحدا في مداخلاتهم ، ويمضون الوقت في التعقيب على مداخلات زملائهم أو في اللجوء للصمت لتغطية عورات نقصهم وضعفهم في مواقعهم التي استجدت عليهم.

وزراء ونواب يدخلون ويخرجون من مواقعهم ، وقد اتخذوا قرارات أو مواقف ، وتدربوا على حسابنا ، وهم يمارسون سلطتهم الفعلية ، وقد كان الأولى إدارة هذه المواقع بطريقة تختلف عن الحلاقين الجدد ، الذين يصرّون على أنهم يتقنون المهنة ، لكنهم في حالات كثيرة يقصّون أذنك، وربما يفتحون مسربا في منتصف رأسك ، فلا تملك إلا أن تشعر بالأسى، وأن تتذكر أن هذا الجهل والتضليل لا يليقان بتونس ولا بتاريخها وسمعتها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.