تونس في مواجهة الحملات المشبوهة: حماية الدولة ومسار الإصلاح مسؤولية وطنية
بقلم : ادريس حامد
تونس ليست مجرد دولة في الجغرافيا العربية، بل هي تجربة حضارية ضاربة في عمق التاريخ، وشعب صنع عبر قرون طويلة نموذجًا مميزًا في الوعي والانفتاح والتفاعل مع الحضارات. فمن أرض قرطاج التي تركت أثرها في التاريخ الإنساني، إلى الدولة الوطنية الحديثة، ظل الإنسان التونسي حاضرًا في صناعة التحولات الكبرى والدفاع عن هويته ومكتسباته.
لقد أرست الدولة التونسية الحديثة دعائمها بعد الاستقلال بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، الذي عُرف بلقب “المجاهد الأكبر”، حيث وضع مشروعًا وطنيًا ركز على بناء الإنسان التونسي، من خلال التعليم وتطوير المؤسسات وترسيخ مفهوم الدولة. وقد أصبحت هذه الخيارات مكاسب حضارية واجتماعية توارثتها الأجيال، وأسهمت في تشكيل شخصية المواطن التونسي المعروف بوعيه وتمسكه بقيمة الدولة.
ومع التحول السياسي في 7 نوفمبر 1987 بقيادة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، دخلت تونس مرحلة جديدة واصلت خلالها مسيرة البناء والتنمية، رغم ما صاحب تلك المرحلة من ملاحظات وانتقادات في الجانب السياسي. فلكل تجربة تاريخية ظروفها ومعطياتها، ولا يمكن قراءة المراحل السياسية بمعزل عن نتائجها وسياقاتها.
لقد جاءت ثورة 2011 كتعبير عن مطالب اجتماعية وسياسية مشروعة، وتميزت التجربة التونسية عن غيرها من تجارب ما سمي بالربيع العربي، بفضل مستوى الوعي الوطني لدى الشعب التونسي، الذي حافظ على قدر كبير من تماسك الدولة وتجنب الانزلاق إلى الفوضى التي شهدتها دول أخرى.
غير أن السنوات التي تلت الثورة حملت معها الكثير من التحديات، حيث دخلت تونس في مرحلة طويلة من التجاذبات السياسية والصراعات الأيديولوجية التي أثرت على مسار التنمية والاستقرار. فقد أُهدرت سنوات طويلة في صراعات داخل المؤسسات، بينما كانت الأولويات الحقيقية تتمثل في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وإصلاح الإدارة، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة الدولة على أداء دورها.
كما أن تجربة النظام البرلماني التي قُدمت باعتبارها ضمانة للتوازن السياسي، تحولت في الواقع إلى حالة من التعطيل والصراع بين مؤسسات الدولة، وأدت إلى ضعف القرار السياسي وتكرار الأزمات الحكومية، في وقت كانت فيه تونس تحتاج إلى الاستقرار والإنجاز.
لقد وجد الرئيس قيس سعيد نفسه أمام واقع معقد بعد تحركه في 25 جويلية 2021، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية. وقد تحمل مسؤولية مرحلة استثنائية دون حزام حزبي تقليدي، معتمدًا على دعم شعبي واسع، باعتبار أن المواطن التونسي كان يبحث عن استعادة دور الدولة وإنهاء حالة التعطيل والفوضى.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت تونس مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب مؤسسات الدولة، وفتح ملفات الفساد، ومحاولة استعادة هيبة القانون. وهي مرحلة لا تخلو من الجدل والنقاش، كما هو الحال في كل التجارب الانتقالية، لكنها تعكس في جانب منها محاولة لمعالجة تراكمات سنوات صعبة.
ولا يمكن تجاهل حجم التحديات التي تواجهها تونس اليوم؛ فالاقتصاد تعرض لضغوط كبيرة، والإدارة عانت من التراجع، وموارد الدولة تأثرت بفعل سنوات من عدم الاستقرار. لذلك فإن المطالبة بتحقيق نتائج فورية في ظل هذه الظروف قد لا تراعي طبيعة المرحلة وتعقيداتها.
إن إعادة بناء الدولة ومحاربة الفساد وإصلاح المؤسسات تحتاج إلى وقت وإرادة وطنية، كما تحتاج إلى وعي بأن الفوضى لا يمكن أن تكون طريقًا للإصلاح. فحرية التعبير في تونس تبقى مساحة مهمة ومتقدمة، لكن هذه الحرية يجب أن تظل في إطار المسؤولية الوطنية، وألا تتحول إلى أداة لتعطيل الدولة أو خدمة أجندات لا تخدم مصلحة الشعب التونسي.
ومن حق المواطنين التعبير عن مطالبهم الاجتماعية، لكن من الضروري إدراك أن نعمة الأمن والاستقرار هي الأساس الذي تُبنى عليه كل الحقوق والمكتسبات. فالدولة التي تفقد أمنها تصبح عاجزة عن تحقيق التنمية أو حماية اقتصادها أو توفير حياة كريمة لمواطنيها؛ فالخبز والعمل والخدمات تحتاج قبل كل شيء إلى دولة مستقرة وقادرة.
واليوم تواجه تونس حملات إعلامية وسياسية خارجية تسعى إلى تقديم صورة سلبية عن البلاد، ومحاولات لإعادة إنتاج حالة الفوضى التي عرفتها بعض دول المنطقة. ولا يعني ذلك رفض النقد أو الاختلاف، بل يعني التمييز بين النقد الذي يدفع نحو الإصلاح، وبين الحملات التي تستهدف إضعاف الدولة وزعزعة استقرارها.
وبكل تأكيد، فإن وعي الشعب التونسي يجعله قادرًا على التمييز بين من يدافع عن مصلحة بلاده، ومن يحاول استغلال الأزمات لتحقيق أهداف ضيقة. فرفض تطبيق القانون أو تعطيل مسار العدالة لا يخدم الديمقراطية، بل يضر بمفهوم الدولة ويعرقل بناء المؤسسات.
ولا نزعم أننا نفهم واقع تونس أكثر من التونسيين أنفسهم، فهم أصحاب المصلحة الحقيقية وهم الأقدر على تحديد مستقبل بلدهم. لكن الحديث عن تونس يأتي من منطلق إنساني وأخوي، ومن مسؤولية تجاه شعب شقيق تجمعنا به روابط تاريخية واجتماعية وجغرافية عميقة.
فتونس ليست قضية داخلية فقط، بل هي جزء من محيطها العربي والمتوسطي، واستقرارها يمثل مصلحة مشتركة. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعب التونسي وقدرته على حماية دولته ومكتسباته، بعيدًا عن الفوضى والتدخلات الخارجية، من أجل بناء مستقبل يليق بتاريخ تونس وحضارتها.
التعليقات مغلقة.