زغوان.. حين يتحدث الماء بلغة التاريخ والأندلس
حلقة وصل- بقلم سمية دريدي
على بعد خمسين كيلومتراً فقط من صخب العاصمة تونس، تتربع مدينة زغوان كعروسٍ شامخة على المنحدرات الشمالية لجبلها المهيب. هي ليست مجرد مدينة عابرة، بل حكاية نُسجت خيوطها من صفاء الينابيع، وهيبة الجبل، وروح الأندلس التي لا تزال تعبق في أزقتها الضيقة. زغوان، التي اشتق اسمها من اللاتينية “زيكوا” ليعني “الماء”، ظلت عبر العصور المورد الأساسي للحياة والحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض الخضراء.
جبل زغوان.. حارس الطبيعة العالي
يعتبر جبل زغوان القلب النابض للمدينة، فهو ثاني أعلى قمة في البلاد التونسية، بارتفاع شاهق يلامس السحاب. يمتد هذا الجبل على غابات كثيفة تضم آلاف الهكتارات من النباتات الطبية والعطرية والحيوانات البرية النادرة. وفي أحضان هذا الجبل، تقع الحديقة الوطنية التي توفر ملاذاً بكرًا لعشاق الهدوء والمغامرة، حيث تتحول في فصل الشتاء إلى لوحة بيضاء نادرة الحدوث حين يكسوها الثلج، جاذبةً المصورين والمتنزهين من كل فج.
معبد المياه والحنايا.. هندسة الخلود الروماني
لا تكتمل صورة زغوان دون الوقوف عند “معبد المياه”، تلك التحفة المعمارية التي شُيدت في عهد الإمبراطور هادريانوس تقديساً للعيون الجارية. من هذا الموضع انطلقت “الحنايا”؛ وهي القناة المائية الأسطورية التي تمتد لأكثر من مئة وثلاثين كيلومتراً لتسقي مدينة قرطاج العظيمة. هذه الحنايا التي ترتفع في بعض الأماكن عشرات الأمتار، وُصفت بأنها “أهرامات تونس المعلقة” وعجيبة من عجائب الهندسة القديمة التي لا تزال صامدة تحكي قصة تحدي الإنسان للطبيعة.
البصمة الأندلسية وعطر النسرين
في مطلع القرن السابع عشر، استقبلت زغوان المهاجرين الأندلسيين الذين جلبوا معهم علومهم وفنونهم ومعمارهم الفريد. ومنذ ذلك الحين، اكتست المدينة بروح غرناطية تظهر جلياً في تقاليدها، وحليها، وفي “زاوية سيدي علي عزوز” التي تعد تحفة معمارية مزينة بالنقوش والجليز الأصيل.
ارتبط اسم المدينة بموسم “الورد والنسرين”، حيث يبرع الأهالي في تقطير العطور والزيوت الطبيعية. ويحتفي مهرجانها السنوي بهذا الموروث، محولاً زغوان إلى وجهة عطرية تجذب الزوار من كل أنحاء العالم لاستنشاق عبير التاريخ الممزوج بروائح النارنج والورد.
وجهات سياحية واستشفائية لا تُفوت
تتعدد الخيارات أمام زائر زغوان؛ فمن “منتزه معبد المياه” الذي يجمع بين عبقرية الرومان وظلال الأشجار، إلى “منطقة سيدي مدين” ببيوتها البربرية وبحيرتها الجبلية الساحرة. ولالباحثين عن الراحة والعلاج، يبرز المركب الاستشفائي بـ “جبل الوسط” الذي يستغل الينابيع المعدنية الساخنة، إضافة إلى المواقع الأثرية الكبرى مثل “تبربوماجيس” والقرى الجبلية العتيقة مثل “الزريبة العليا” التي تشهد على تنوع الحضارات من البونية إلى الإسلامية.
زغوان.. تجربة تتجاوز الزمان والمكان
زغوان مدينة لا تشبه سواها؛ فهي تجمع بين سياحة الجبل، وعمق التاريخ، وصفاء الروح. سواء اخترت المشي بين المسالك الجبلية الوعرة، أو التأمل في عبقرية الحنايا الرومانية، أو التبضع من محلات العطور التقليدية، فإنك ستجد نفسك في حضرة مدينة حوّلت تدفق الماء إلى حضارة باقية. هي دعوة لكل من يبحث عن الجمال الأصيل والهدوء الحقيقي، في مدينة لا تزال تسكن قلب التاريخ منذ آلاف السنين.
التعليقات مغلقة.