حين يتحوّل صندوق الانتخاب إلى كفنٍ للديمقراطية …

0 367

بقلم : رشيد الكرّاي

هناك شقان ظاهران للأزمة التونسية هما الارهاب والفساد. وإذا أمعنا النظر في الظاهرتين سنكتشف أنهما يصدران عن الجهة نفسها ، فهما في النهاية الشيء نفسه لكن لكل واحدة منهما تقنياتها الخاصة.

الارهاب يحمي الفساد حين يشكّل غطاء له ، وفي المقابل فإن الفساد هو ما يمول الارهاب بأسبابه وعدّته ويمهّد له.

عمليا فإن ما سمّي كذبا بروابط حماية الثورة المنحلّة التي هي تنظيمات بلطجيّة ولا تعترف بسيادة أية حكومة ولا بقوانين الدولة ، كانت قد تحوّلت إلى تنظيم سياسي وفاز مرشحوه بمقاعد في مجلس النواب الحالي ، فصارت تتحدث بلغة سياسية بالرغم من أنها متمسّكة بسلاح خطاب العنف والكراهية وتبرير الإرهاب . وبسبب هذا التحول المظهري صار رموز الارهاب وحاضنوه يحملون جوازات سفر دبلوماسية ، ولديهم حصانة برلمانية ، وهم يمثلون السلطة التشريعية.

وإذا ما عرفنا أن الجزء الأكبر من عمليات الفساد إنما يجري تحت قبة البرلمان فإن ذلك يعني أن الارهابيين انتقلوا بحكم مقاعدهم النيابية إلى مرحلة إدارة عمليات الفساد من خلال استعمال الوسائل الناعمة.

والغريب في الأمر أن القانون التونسي لم يقل كلمته في ما يتعلق بالازدواجية التي تنطوي عليها تلك الظاهرة ، فقادة كتلة نيابية منسوبة كذبا للكرامة هم في الوقت نفسه زعماء الميليشيات السابقة المسمّاة بروابط حماية الثورة التي قام بحلّها نفس القانون التونسي ، وهو ما يعني ألاّ فرق اليوم بين العمل السياسي والعمل الميليشاوي. والغريب أكثر أن الخارجين عن القانون هم من أنيطت بهم مهمة سنّ القوانين.

إنها معادلة لا تستقيم مع فكرة بناء الدولة ، فكيف بها وقد فرضت نفسها بقوة الديمقراطية التي صارت صناديق الاقتراع هي المناسبة الوحيدة التي يتم من خلالها الاعلان عنها؟

الخارجون عن القانون إذا موجودون في مجلس النواب لأنهم يمثلون أصوات من انتخبوهم. وهم بسبب صفتهم التمثيلية تلك يملكون القدرة على سنّ القوانين بما ينسجم مع مصالحهم . وبذلك تكون السلطة التشريعية قد استسلمت للإرهاب.

تونس باتت بلدا فريدا من نوعه في هذا المجال. فلو كانت المافيا قد استولت على السلطة التشريعية في إيطاليا لما بقي شيء من إيطاليا.

المشهد السياسي التونسي كئيب إلى درجة تدعو إلى الأسى. وبالرغم من أن إخراج ذلك المشهد قد استند إلى سيناريو اللعبة الديمقراطية ، غير أن ذلك لم يكن متقنا بطريقة مخاتلة. فمبدأ انفصال واستقلالية السلطات الثلاث ليس له وجود على أرض الواقع. فالأحزاب التي مارست عمليات فسادها كانت ولا تزال تستمد قوتها من سيطرتها على السلطات الثلاث الضعيفة أو المستضعفة.

فإذا وضعنا السلطة القضائية جانبا بسبب تسييسها ، فإن رئيس السلطة التنفيذية الذي هو رئيس الحكومة لا يمكن أن يحلّ في منصبه ما لم تتفق على ذلك الإجراء الأحزاب التي تملك القدرة في مجلس النواب على تثبيته في منصبه أو طرده من خلال عدم حصوله على الثقة أو سحبها منه مثلما حصل مؤخرا مع حكومة الياس الفخفاخ .

ممثلو الإرهاب والفساد الذين هم زعماء أحزاب يملكون الحق القانوني في اختيار الحكومة التي تناسبهم ، لذلك فإن تلك الحكومة لن تكون سوى واجهة تغطي على عمليات الفساد.

دائرة شيطانية ليس من اليسير اختراقها، وعلى أساس حلقاتها المتلاحقة بني نظام المحاصصة السياسي في تونس ، ذلك النظام الذي أرسى دعائمه دستور ما سمّي بالجمهورية الثانية بدعوى طرد شبح الاستبداد والانفراد بالحكم والقرار . وستكون المطالبة بتغيير ذلك النظام مثلما يدعو إليه رئيس الجمهورية الحالي انقلابا على الديمقراطية ، وهنا تكمن المزحة الرثّة التي فرضها الإخوان وورّطوا أنفسهم فيها.

منذ جانفي 2011 وهيمنة تيّار الإسلام السياسي الإخواني ممثلا بحركة النهضة على المشهد الوطني في تونس ، تمّت مأسسة الإرهاب والفساد ، وفي الوقت نفسه بدأ العمل على ارساء قواعد الدولة السرية التي تقوم بنهب المال العام في ظل إصدار قوانين لا تزال سارية حتى اليوم وأخرى تنتظر المصادقة في اللّحظة المناسبة .

لذلك يمكن النظر إلى ما يجري اليوم باعتباره ثمرة طبيعية لعملية ديمقراطية جرّدت الشعب التونسي من ثرواته ومكاسبه وأفقرته ، بل إنها أثقلت تونس بمديونية لن تُسدّد قبل خمسين سنة...

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.