يغيّرون الحلفاء عشرات المرات ومثلها يبدّلون الخصوم…
بقلم : رشيد الكرّاي
الأطماع السياسية نحو التشبث بالسلطة باستخدام العباءة الدينية طورا والديمقراطية طورا آخر ، أكثر ما تبدعه حركة النهضة الإخوانية في تونس، وهذا لا ينكر أحقية كافة الأحزاب بالوصول إلى السلطة، ولكن الطرق التي تستخدمها النهضة ، تعتمد على سياسة التفريق والابتزاز والمساومات والانقسامات والتصفيات ، كل ذلك من أجل الحصول على المقاعد السيادية المُرضية لنهمها للسلطة ومسك الدولة من تلابيبها .
ولعلّ الجميع يذكر ما كشفت عنه هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي سنة 2018 من وثائق تشير إلى تورط حركة النهضة ، باختراق حزب نداء تونس، وتفكيكه عبر جهازها السري، بغية الانفراد بالمشهد التونسي. وقد أكد الناطق الرسمي باسم الحزب وقتها المنجي الحرباوي ذلك بقوله : “تأكد بما لا يدعو للشك أن نداء تونس كانت هدفا رئيسياً للجهاز السري الذي سخرته حركة النهضة لضرب نداء تونس واستقطبت لذلك عدة عناصر، معتبراً أن الحزب كان من أكبر ضحايا الجهاز السري.
ولفت الحرباوي إلى أن النهضة ، اعتمدت في محاربة حزب الرئيس الراحل “الباجي قايد السبسي” على بعض قياداته التي تم توظيفها اعتمادا على طموحاتها الشخصية ، وجريانها وراء المصالح الشخصية الضيّقة ، مشيراً إلى أنّ الاختراق تم فعلياً عبر زرع عناصر بالمكتب التنفيذي للحزب عن طريق قيادي بارز ، وهو ما ترجمت عنه نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة ، حيث لم يحصل النداء فيها إلا على ثلاثة مقاعد ، بعد أن كان يحوز على 86 مقعداً في البرلمان السابق.
ولئن لم تنتصر النهضة في تلك الانتخابات فإنها أيضا لم تنهزم بفعل حالة التشتت والتشرذم الذي تميّز أحزاب العائلة الديمقراطية والتقدمية وفازت بالمركز الأول لمقاعد البرلمان ، فهي تدرك حالة النبذ والنفور التي تعاني منها في الوسط التونسي ، لذلك لجأت بعد فشلها في تمرير حكومتها برئاسة الحبيب الجملي إلى سياسة خفض الرأس حتى تمرّ العاصفة بعد أن آل الأمر لرئيس الجمهورية حسب ما نصّ عليه الدستور لتعيين من يرى مناسبا لتشكيل الحكومة ، على أن تعاود فيما بعد ممارسة رياضتها الأولى التي تبدع فيها وهي رياضة تغيير المواقف وتبديل الحلفاء واستمالة ضعاف النفوس من الطامعين والملهوفين على السلطة درءا لعوراتهم وفسادهم المعلن والخفيّ .
لم تطل مدّة انتظار النهضة وزعيمهم الذي لقي الدعم من المقاول السياسي الجديد نبيل القروي الذي أهداه رئاسة البرلمان ، حتى كشفوا وفي قمّة أزمة كورونا المتواصلة عن استراتيجيتهم المخفيّة وورقة الحصان الرّابح التي سيلعبونها في مواجهة شركائه الثلاثة في الحكومة . ومن يكون هذا الحصان غير ذاك الذي جلبته قناته التلفزية وخاصة بلاهة حافظ قايد السبسي ومعركته الشخصية مع رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد إلى مضمار السّباق السياسي ليصبح رقما في المعادلة الوطنية في زمن الفاست فود السياسي الذي يصعّد الجهلة والمغامرين وأحزاب الكوكوت مينوت التي سرعان ما تتبخّر بمجرّد رفع غطاءها .
ولأنّ شيخ الجماعة يعشق “الستريبتس” السياسي وجد ضالّته في هذه الشخصية المستعدّة للقيام بكل ذلك فقط من أجل إشباع رغبته ورغبتها في لّذة السلطة الحلال والحرام ، فطفق يدافع عنها وعن أحقيّة وجودها في المشهد الحكومي بعد أن كان يصفها بأبشع نعوت البغاء السياسي من حزب الفساد والفاسدين إلى حزب المقرونة ، بل ويريد تمرير تعديل في النظام الداخلي للبرلمان يمنع ما اصطلح على تسميته السياحة الحزبية حفاظا على كتلته التي بدأت تتشظّى بعد انشقاق أحد عشر من نوّابها بينهم رئيس كتلتها ، لتكون بالتالي البديل لحلفاء في الحكومة والبرلمان لم يتأخروا عن مساندة مشروع اللائحة المُدينة للتدخل الخارجي في الجارة ليبيا ورفضوا أن يكونوا تبّعا لخيارات زعيم الإخوان وبدعة دبلوماسيته البرلمانية الموهومة التي يضرب بها اختصاص رئيس الجمهورية وثوابت الدبلوماسية التونسية منذ الاستقلال ، ويسبغ أممية الانتماء للجماعة الإسلامية على الدولة الوطنية وخدمة أهدافها وعرّابها الأول سلطان تركيا الجديد رجب طيب أوردوغان .
ولأنّ المواقف لديهم لا ثبات فيها ويغيّرونها كل يوم كما يغيّرون ملابسهم ، يجدر التذكير أنّه عند انتخاب رئيس مجلس نوّاب الشعب قبل تشكيل حكومتهم تحدثوا عن فصل المسار البرلماني عن الحكومي بعد أن صوّت أتباع حزب المقرونة كما كانوا يسمّونه لمرشحهم ثمّ غدروا بهم على عهدهم في الغدر والتلوّن بأن استبعدوهم من حكومتهم التي لم تنل الثقة . واليوم وبعد أن هرب منهم منصب رئاسة الحكومة الذي آل لمرشح رئيس الجمهورية أخرجوا من الدرج تلك الاسطوانة المشروخة التي يسمّونها التوافق والوحدة الوطنية لإعادة ضمّ شتات كتلة الفساد والمفسدين التي أصبحت فجأة نظيفة ناصعة البياض للحكومة مع أن غالبيّتها ويا للمفارقة صوّتت لفائدة لائحة الحزب الدستوري الحر تماما كما كتلتي الشعب وتحيا تونس اللّتين يريد الشيخ الآن معاقبتهما وإخراجهما من الحكومة لإخلالهما بمدإ تلازم مسار التضامن الحكومي والبرلماني وهو ما يفسّر امتناع حركته الإمضاء على ميثاق التضامن الحكومي الذي اقترحه رئيس الحكومة .
حقيقة لا أجد من الكلمات ما يضيف غير ما قاله زعيمهم في جوابه في حواره الأخير على قناة الحليف السرّي والمعلن نسمة عن سؤال من المسؤول عن تدهور أوضاع البلاد طيلة هذه السنوات العشر وإجابته بأن الشعب هو المسؤول لأنّه هو الذي اختار حكّامه بحرية وعبر الانتخابات .
وصراحة أرى أن الشيخ صدق في هذه ، فالشعب هو الذي أتى بالإخوان ومكّنهم من الجثوم على صدره ، لذلك فإنّ تونس ستكون سعيدة مرة أخرى فقط حين يقتنع الشعب بأن التخلص منهم بنفس طريقة مجيئهم هو الحل …
التعليقات مغلقة.