ويستمرّ الفرز السياسي (2/1)
نص الناشط السياسي والنقابي:النفطي حولة/بتاريخ 14 سبتمبر 2026
الحلقة الثانية:
مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021
باختصار شديد أكبر انجاز قامت به حركة التصحيح في 25 جويلية 2021 هو القطيعة الجذرية مع منظومة الاخوان المسلمين وحلفاؤهم من المافيات السياسية والاوليغارشة المالية ومن حكام الأمس من التجمعيين والسماسرة. بما يعني أنها صحّحت الانقلاب الذي قامت به منظومة 24 جويلية على المسار الثوري لاستعادته كمشروع وطني تحرري ديمقراطي واشتراكي شاركت فيهع كل القوى الوطنية التقدمية السيادية لجماهير الشعبية وقد بدأته من أمام دور الاتحادات الجهوية.
التوجه الوطني السيادي الذي طبع حكم قيس سعيد:
جاحد ومنكر وغير موضوعي البتّتة و متحامل من لا يُقِرّ بهذه الخطوات الهامة التي تؤكد التوجه الوطني السيادي الذي طبع حكم قيس سعيد:
أولا) إلغاء الاعتماد على صندوق النقد الدولي .
ثانيا) التوجه شرقا نحو الصين وآسيا. علما وأن تونس كانت ولا زالت الحليف التقليدي التاريخي والحديقة الخلفية لأوروبا. ولأول مرة يحسب لرئيس الدولة التونسية في شراكة استراتيجية مع الصين والتوجه شرقا.
ثالثا) التحالف العضوي والثابت مع الجزائر الذي كان متذبذبا ولا سيما في العشرية السوداوية حتى كادت الجزائر تُطعن من الخلف، إلاّ أن المخابرات الجزائرية كجهاز صلب ترصد كعادتها كل شاردة وواردة.
رابعا) عدم اعتراف النظام بحدود 67 ما يعني عدم اعترافه بدولة الكيان الصهيوني وبالتالي قضية تجريم التطبيع تصبح ثانوية رغم الاختراقات هنا وهناك في توجه وطني لحكم قيس سعيد مازال هشا ومتعثرا.
خامسا) مكافحة الفساد والفاسدين بيد من حديد والذين أجرموا في حق الدولة مهما كانت رتبهم ومسؤولياتهم. وفي هذا الإطار فإن أهم قضية وقع البت فيها نهائيا هي قضية الجهاز السري لحركة النهضة و قضية اغتيال الشهيدين التي لولا التوجه الوطني لحكم قيس سعيد لظلت في الرفوف والتلاعب بها لعقود أخرى.
الأخطاء في مسار 25 جويلية:
نحن لم نكن في أي يوم من الأيام شهود زور. ولو كنت في نظام الزعيم الخالد جمال عبدالناصر لن أكون إلاّ ناقدا وأستحي من نفسي أن أكون مثقفا عضويا بكل تواضع و أصبح بوقا لأي نظام كان ولو كان كما جاء سابقا في عظمة نظام ناصر ذلك لإيماني بأن كل مسار يحمل تحولا جديدا لا بد وأن يحمل معه أخطاء بلا شك. ويمكن أن تكون أخطاء كبيرة.
أولا) مسألة الانفراد بالحكم. وهي تعد من الأخطاء الكبرى في العمل السياسي في العصر الحديث
ثانيا) طريقة إدارة دفة الحكم و تسمية الوزراء وجميع المسؤولين في الدولة كذلك من الأخطاء الفادحة.
ثالثا) إدارة معطلة للمشاريع لا زالت تخضع للبيروقراطية وتعطيل المشاريع مازالت غارقة في المحسوبية والرشوة في اطار تواصل مراكز النفوذ في الإدارة سواء مما زرعتهم النهضة أو التجمع. وهي من الأخطاء الكبيرة.
ثالثا) الأهداف العاجلة مثل قضية الأسعار الملتهبة و مراجعة سلم الأجور للعمال والموظفين. البطء في تسوية قضية الذين طالت بطالتهم وغير من القضايا الاجتماعية والمشاريع الاستراتيجية التي لم تر النور بسبب الإدارة العميقة.
بعض اقتراحات: أرى نفسي مجبرا لتقديم بعض المقترحات التي أراها عاجلة.
أولا) تنقية الجو السياسي وذلك بإصدار عفو خاص يشمل جماعة اسطول الصمود على اعتبار أنهم رفعوا عاليا سمعة تونس والعلم التونسي عالميا، وقاموا بعمل مشرّف وثابت في القضية الأم القضية الفلسطينية، باعتبارها القضية المركزية للامة العربية. وكذلك عفو بعض الشخصيات التي لم تتعلق بهم جرائم دولة أو المشاركة في التآمر على أمن الدولة من أمثال على لسعد اليعقوبي و بعض الحالات المحكومين بعنوان المرسوم 54 تُدرس حالة بحالة.
ثانيا) تأسيس جبهة سياسية يشرف عليها الرئيس قيس سعيد تتسع لكل القوى الوطنية والديمقراطية ما عدا الإخوان المسلمين والتجمعيين والقوى الانتهازية والعميلة المرتبطة بأجندات خارجية.
ثالثا) تكوين مجلس من الخبراء والمختصين في كل المجالات ولا سيما تونس تعج بأحسن الكفاءات المشهود لها بالنجاح عالميا.
رابعا) في مكافحة الفساد لا بد من الاستفادة من تجربة افريقيا الجنوبية وماليزيا وبعض المختصين من القضاة وخبراء المحاسبة المالية والجبائية المشهود لهم بالكفاءة والشفافية.
خامسا) ضرورة بعث المجلس الأعلى للقضاء و المحكمة الدستورية
الفرز على قاعدة المسألة الوطنية:
وبعد معاينتنا للوضع المحلي والجيوسياسي والجيواستراتيجي الدولي المحيط بتونس والجزائر خاصة، وبعد ما تطرقنا لتداعيات ثورات الربيع العربي وبعد ما تعرضنا لأخطاء وانحرافات مسار 25 جويلية ولامسنا بعض الحلول، نأتي الآن للمسألة المركزية المطروحة كعنوان للنص وهي مسألة الفرز السياسي التي أكدنا ولا زلنا نؤكد عليها.
لا يتم بناء أي مسار يدعي الثورية أو أنه مسار ثوري إلاّ بشرط وضع المسألة الوطنية في الاعتبار المركزي والأساسي كبوصلة يجب أن نقترب منها، ونحرص حرصا شديدا على عدم الابتعاد منها.
لذلك أكدنا في قراءتنا لثورات الربيع العربي على أن تداعياتها كانت خطيرة على مسألة السيادة الوطنية. فقد كان الهدف من هذا الربيع شرقا وغربا هو تخريب الدول وتقسيم المجتمعات من أجل إعادة تدوير الزوايا وتشكيل الخرائط لإقامة كيانات جديدة على أرضية المشروع الطائفي والمذهبي والعرقي. و لا سيما بعد ما تأكد لنا الدور التركي والقطري والإماراتي في المغرب العربي خاصة، والذي لا نظن أنه بعيدا عن الدور الفرنسي ( انظر هجومات فرنسا 24 على تونس) والدور الأمريكي، وفي ظل حكومة المخزن المغربية المتصهينة. و هذا مع ما يجري على حدودنا الجنوبية الشرقية مع الجارة والشقيقة ليبيا من فوضى الإرهاب للعصابات الإرهابية المسلحة والميليشيات، وكذلك ما يحيط بنا في دول الساحل والصحراء من تغلغل لتنظيم داعش وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة المدعومة من فرنسا وامريكا. واذا علمنا أيضا ما يخطط للجزائر تاريخيا في سياق مشروع الشرق الأوسط الكبير ولا سيما بعد تقديم الجزائر المعنيّة استراتيجيا بعمقها الافريقي الداعم لقوى التحرر مثل تقديمها للدعم العسكري واللوجستي لدولة النيجر التي أطردت القوات الفرنسية من أراضيها.
وفي هذا السياق تظل مسألة الديمقراطية والحريات مسألة ثانوية على أهميتها أمام المسألة أو القضية الوطنية. وحتى في إطار مسألة الحريات والديمقراطية تعالوا لنفتح قوسا. بالله عليكم يا من صممتم آذاننا بهذه المسألة ألستم أنتم من تنظمون المظاهرات في الشارع دون رخصة ويحرصكم البوليس والأمن؟ ألستم أنتم من ترفعون شعارات “الشعب يريد اسقاط النظام” و “جاك الدور جاك الدور يا قيس يادكتاتور”؟ أو حريات حريات دولة البوليس وفات ؟ ألستم أنتم من تصيحون بأعلى أصواتكم لترفعوا شعارات أستحي منها في الحقيقة لأنها لا تحتوي على أي مضمون سياسي و لا حتى تفكير سياسي مثل: ” هز الكازي….” أو شعار “يا……يا طحان يا حارس الطليان”؟ فلماذا الدجل والكذب والأباطيل و أنتم تخرجون أفواجا أفوجا في جو احتفالي و أنتم مزهوين ترفعون ما شئتم من شعارات؟
وفي موضوع الحريات هذا: هل نسمح لأصحاب الأموال المشبوهة الذين يشرفون على بعض القنوات الاعلامية مثل الكتيبة باسم قضية الحريات بتجاوز قانون الجمعيات في الحصول على المال بطريقة غير قانونية؟ أو في قضية موت بعض المساجين رحمهم الله. فلماذا لا تشتكي عائلاتهم التي تزورهم باستمرار؟ فالموت لها أسبابه المادية في السجن أو في الحياة العادية. وإذا كانت قضية موت مسترابة فلتقدم الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان قضية في الغرض وتثبت بالأدلة مثل هذه الموت المسترابة.
ولكل هذه الأسباب وغيرها كثير تجعلني أُسَبِّقُ المسألة الوطنية على المسألة الديمقراطية. ولا أخالني أتحدث عن أوهام أو أنه يُخَيَّلُ إليّ وإنما أتحدث عن وقائع ومعطيات ثابتة في ما يخص نظام قيس سعيد. فأنا لا تعنيني الأشخاص و إنما أدافع عن الدولة التونسية في أدق المراحل خطورة. ولذلك تجدني أنظر بعين الناقد المسؤول والواعي لهذه النخب التونسية المتهافتة والمتلهّفة على الحكم، والتي تسارع الخطى بإعلانها لهيئات وقتية للحكم، أو تشكيل حكومة في الخارج. والغريب أنها تتصارع من داخلها في الصباح وفي المساء لتلعن عن تحالف أو صفقة جديدة هنا بعد إعلانها عن إلغاء التحالف أو الصفقة القديمة هناك. هذا ومن يتابع المشهد لهذه النخب المتهافتة والانتهازية واللاوطنية يظن أن النظام ساقط لا محالة. والمسألة أصبحت مسألة أشهر قليلة بل أيام. فها هو الاتحاد العام التونسي للشغل يحشر أنفه في صراع لا يفيد غير أعداء الحركة النقابية تاريخيا. وكأنني بالاتحاد العام التونسي للشغل يعيش حالة اختطاف قسري. فبعد أن تأسس الاتحاد على قاعدة الموقف الوطني والدفاع عن الدولة التونسية مهما كان النظام القائم ها هو يحشر نفسه ليصبح جزءا من السلطة يبحث له عن تموقع جديد. خاصة وأنه منذ 2011 كان شريكا في السلطة ولا سيما في زمن المشيشي ويوسف الشهاد.
بل التهافت السياسي بلغ أيضا بعض اليساريين و بعض القوميين خاصة ممن ساند مسار 25 جويلية ليختاروا الاصطفاف مع المعارضة الراديكالية لنظام قيس سعيد وكأني بهم نسوا أو تناسوا ما يخطط لتونس في الدوائر الأجنبية باسم قضية المتاجرة بالديمقراطية .وكأنني بهم نسوا أو تناسوا ما جري في ليبيا وسوريا.
لكل هؤلاء أقول متسائلا: فإذا كان المتربصون بتونس من أعداء الأمس من الجبهة الظلامية الصهيونية ومن اللفيف الديمقراطي الواسع ذو التوجه الفرانكفوني ومن التجمعيين على مختلف تكتلاتهم هم في النهاية منظمين سياسيا و مستعدين للحكم، فهل أنتم صنعتم أو أسستم بديلا تنظيميا سياسيا لتكونوا بديلا لحكم قيس سعيد؟ أم تبحثون عن تموقع هنا أو هناك.
خاتمة:
وفي الختام لا يسعني إلا أن أحذر القوى التي تعتبر نفسها وطنية من قوميين ويساريين ومستقلين أن لا يغترّوا بهذه الموجة ويتّعضوا ويأخذوا الدروس والعبر من الربيع العربي . ويعملوا على تنظيم بيتهم الداخلي سياسيا وتنظيميا بشكل علمي مدروس دون تسرّع ولا بطء غايتهم في ذلك الالتقاء على المشترك الجامع المكثف في السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية في اطار الدولة المدنية وتبتي خيار المقاومة للمشروع الأمريكي الصهيوني في دعم فلسطين وكل القضايا العادلة. مع التأكيد على الخروج من مربع المحاصصات الحزبية والنظرة الفئوية وحوار الصم مع القبول بالنقد والنقد الذاتي بعيدا عن الزعامتية متمسكين بالحوار الافقي الديمقراطي الواسع.
التعليقات مغلقة.