المنتدى السعودي للإعلام.. حين تتحول الرياض إلى منصة لصناعة مستقبل الإعلام
تحرير : ضحى السعفي
لم يعد المنتدى السعودي للإعلام مجرد موعد سنوي يجمع الإعلاميين تحت سقف واحد، ولا فعالية عابرة تضاف إلى أجندة المؤتمرات الإعلامية؛ فقد نجح، خلال دوراته المتتالية، في أن يتحول إلى مساحة حقيقية للحوار، وتبادل الخبرات، واستشراف مستقبل صناعة تتغير ملامحها بوتيرة غير مسبوقة.
ومع اقتراب انطلاق النسخة السادسة من المنتدى السعودي للإعلام، تبدو التجربة وقد انتقلت إلى مرحلة أكثر نضجًا وطموحًا، خصوصًا مع ما تحمله هذه الدورة من برامج وورش ومبادرات تسعى إلى رسم ملامح محتوى المنتدى وإعلام المستقبل، إلى جانب ما يرافقها من حضور إعلامي وتقني واسع.
ولعل أبرز ما يمنح النسخة المقبلة دلالة خاصة هو الرعاية الملكية الكريمة، التي تؤكد المكانة التي يحظى بها الإعلام في المملكة، وتمنح المنتدى دفعة جديدة نحو ترسيخ حضوره كمنصة عربية ودولية للحوار الإعلامي والابتكار وتبادل التجارب.
الرعاية الملكية.. ثقة ومسؤولية
إن الرعاية الملكية للمنتدى ليست مجرد عنوان احتفالي، بل تحمل رسالة واضحة حول مكانة الإعلام في المشروع السعودي الحديث.
فعندما يحظى منتدى متخصص في الإعلام بهذه الرعاية، فإن ذلك يعكس حجم الاهتمام بتطوير الصناعة الإعلامية، وتمكين العاملين فيها، ومواكبة التحولات التقنية، وبناء محتوى قادر على المنافسة والتأثير، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في مختلف المجالات.
والأهم أن هذه الرعاية تأتي في وقت لم يعد فيه الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح شريكًا في صناعة الصورة، وبناء الوعي، وتعزيز الحضور الدولي للدول والمؤسسات والمجتمعات.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية المنتدى السعودي للإعلام؛ فهو لا يتعامل مع الإعلام بوصفه مهنة تقليدية فقط، وإنما بوصفه صناعة متكاملة تتقاطع مع التكنولوجيا والاقتصاد والابتكار والثقافة والذكاء الاصطناعي.
ومن هذه الزاوية، فإن الرعاية الملكية تمنح المنتدى مسؤولية إضافية، لأنها تعكس ثقة كبيرة في قدرته على مواصلة تطوير هذه الصناعة، وتحويل الأفكار والنقاشات إلى مبادرات وتجارب وشراكات تترك أثرًا يتجاوز أيام انعقاد المنتدى.
من منتدى للإعلاميين إلى منصة لصناعة الإعلام
ما يلفت الانتباه في تجربة المنتدى السعودي للإعلام هو اتساع مفهومه عامًا بعد عام.
فالمنتدى لم يعد يكتفي باستضافة المتحدثين وتنظيم الجلسات، وإنما أصبح يعمل على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الحوار والتدريب والابتكار والتقنية والشراكات، وتمنح الإعلاميين فرصة للاطلاع على أحدث التحولات التي تعيشها الصناعة عالميًا.
وتكشف الورش والمبادرات المصاحبة للنسخة المقبلة، ومنها ورشة التخطيط الاستراتيجي لمحتوى المنتدى السعودي للإعلام، عن رغبة واضحة في إشراك القيادات والخبراء في رسم ملامح المحتوى المقبل، ومناقشة الاتجاهات الإعلامية، وبناء إطار استراتيجي يستشرف مستقبل الصناعة.
وهذا التوجه مهم جدًا، لأن الإعلام اليوم يعيش واحدة من أسرع مراحله تحولًا؛ فالمشهد لم يعد محكومًا بالصحيفة أو التلفزيون أو الإذاعة وحدها، بل دخلت المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى المتعدد في صميم العمل الإعلامي.
وبالتالي، فإن الإعلامي الذي يريد أن يحافظ على حضوره وتأثيره لم يعد مطالبًا فقط بالكتابة أو التقديم أو إدارة غرفة الأخبار، وإنما أصبح مطالبًا بفهم التكنولوجيا، وقراءة سلوك الجمهور، واستيعاب أدوات الإنتاج الحديثة، والقدرة على تطوير محتوى قادر على المنافسة في فضاء مفتوح بلا حدود.
«فومكس».. عندما يصبح مستقبل الإعلام واقعًا
ومن أبرز ملامح التجربة المصاحبة للمنتدى معرض مستقبل الإعلام «فومكس»، الذي يمثل نافذة واسعة على الجانب التقني والابتكاري من الصناعة الإعلامية.
فالمعرض لا يقدم الإعلام باعتباره محتوى فقط، بل يكشف عن البنية التقنية التي تقف خلف هذا المحتوى؛ من تقنيات الإنتاج والبث، إلى الحلول الرقمية، والرسوم البصرية، والإنتاج المباشر، وإدارة المحتوى والمنصات الحديثة.
وهذا النوع من الفعاليات يمنح الإعلامي فرصة مهمة لفهم الأدوات التي تصنع مستقبل المهنة، ويجعله أقرب إلى التحولات التي تحدث داخل غرف الأخبار واستوديوهات الإنتاج والمنصات الرقمية.
وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على تغيير طرق البحث والإنتاج والتحرير والتوزيع، أصبحت مثل هذه المساحات ضرورة حقيقية، لأنها تتيح للإعلاميين والمؤسسات أن يواكبوا التطور بدل أن يكتفوا بمراقبته.
تجربة لا تنتهي بانتهاء المنتدى
من أهم ما يمكن أن يخرج به الإعلامي من المنتدى السعودي للإعلام ليس فقط المعلومات التي يسمعها داخل الجلسات، وإنما العلاقات والخبرات والأفكار الجديدة التي يكتسبها خلال وجوده في هذه البيئة المهنية المتنوعة.
فالاحتكاك بإعلاميين من دول مختلفة، واللقاء بقيادات المؤسسات الإعلامية، والتعرف إلى تجارب جديدة، ومناقشة التحديات المشتركة، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى فرص حقيقية للتعاون وتبادل الخبرات.
وهذه القيمة تحديدًا تجعل المنتدى مختلفًا عن كثير من الفعاليات التقليدية؛ لأنه لا يضع الإعلامي في موقع المتلقي فقط، وإنما يفتح أمامه المجال ليكون جزءًا من الحوار، وأن يطرح تجربته ورؤيته وأسئلته، وأن يعود إلى مؤسسته محملًا بأفكار جديدة.
فالمنتدى الناجح ليس الذي ينتهي بمجرد إغلاق أبواب قاعاته، وإنما الذي يستمر أثره في مكاتب الإعلاميين ومشروعاتهم ومؤسساتهم بعد العودة إلى بلدانهم.
فرصة للإعلام العربي
ولعل من أجمل ما يقدمه المنتدى السعودي للإعلام أنه يفتح نافذة واسعة أمام الإعلاميين العرب للتواصل مع التجربة السعودية والإعلام الدولي في آن واحد.
فالحضور العربي والدولي يمنح المنتدى بعدًا يتجاوز الحدود الجغرافية، ويجعله مساحة للتعارف والتعاون وتبادل التجارب بين مدارس إعلامية مختلفة.
وبالنسبة للإعلام العربي، فإن مثل هذه المنصات تمثل فرصة مهمة لمناقشة أسئلة المرحلة: كيف يمكن بناء محتوى عربي قادر على الوصول إلى الجمهور العالمي؟ كيف يمكن الحفاظ على المصداقية في زمن السرعة؟ وكيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون التفريط في القيم المهنية؟ وكيف يمكن للمؤسسات الإعلامية أن تتحول من مجرد ناقل للمعلومة إلى مؤسسة قادرة على صناعة التأثير؟
إنها أسئلة لا تخص دولة بعينها، وإنما تخص مستقبل الإعلام العربي بأكمله.
محمد الحارثي.. بصمة قيادية وتجديد مستمر للثقة
ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح المتصاعد للمنتدى السعودي للإعلام دون التوقف عند الدور الذي اضطلع به رئيس المنتدى محمد الحارثي، الذي استطاع أن يترك بصمة واضحة في مسيرة المنتدى، وأن يحول كل نسخة إلى خطوة جديدة في البناء والتطوير.
فالحارثي لم يتعامل مع المنتدى باعتباره فعالية موسمية تتكرر كل عام، وإنما كـمشروع إعلامي يتطور باستمرار، وهو ما يفسر قدرته على الحفاظ على الزخم وتجديد ثقة المسؤولين والشركاء والإعلاميين مع كل دورة جديدة.
وتكمن أهمية هذه التجربة القيادية في أن نجاح المنتدى لم يكن قائمًا على المحافظة على ما تحقق فقط، وإنما على البحث الدائم عن الإضافة والتجديد. فكل نسخة تحمل ملامح جديدة، وكل دورة تفتح أفقًا مختلفًا، وكل نجاح يتحول إلى نقطة انطلاق لنجاح أكبر.
وقد نجح الحارثي في بناء معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على هوية المنتدى، والانفتاح على المتغيرات العالمية، وإدخال مساحات جديدة للابتكار والتقنية، مع المحافظة على مكانته كملتقى يجمع القيادات الإعلامية والخبراء والممارسين.
والأهم من ذلك أن استمرار الدعم والثقة من المسؤولين والشركاء مع كل نسخة يمثل في حد ذاته شهادة على نجاح الإدارة في تحويل المنتدى إلى مشروع مستدام، وليس مجرد حدث مؤقت.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في تجربة محمد الحارثي أن نجاحه لم يكن في المحافظة على ما تحقق فحسب، بل في عدم الاكتفاء به؛ فكلما ارتفع سقف الإنجاز، بدا أن هناك رغبة في رفع سقف الطموح أكثر.
وهذه القدرة على التجديد، إلى جانب الثقة التي استطاع أن يبنيها لدى المسؤولين والفاعلين في المشهد الإعلامي، تمثل أحد عناصر القوة التي ساعدت المنتدى على ترسيخ حضوره والتقدم من دورة إلى أخرى.
الرياض.. من استضافة الإعلام إلى صناعة مستقبله
النسخة السادسة المقبلة تبدو امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار.
فالرياض اليوم لا تستضيف الإعلاميين فقط؛ إنها تقدم نفسها بوصفها مساحة تلتقي فيها الإعلام والتقنية والاستثمار والابتكار، وتتحول فيها الأفكار إلى مشروعات وشراكات وتجارب جديدة.
وهذا التحول يعكس الطموح السعودي الأوسع لتعزيز مكانة المملكة في صناعة الإعلام، ودعم الابتكار وتمكين الكفاءات، وخلق بيئة إعلامية قادرة على مواكبة التحولات العالمية.
ومن هنا، فإن أهمية المنتدى لا تكمن فقط في كونه حدثًا كبيرًا يجمع أسماء بارزة من عالم الإعلام، وإنما في قدرته على تقديم نموذج جديد للمنتديات الإعلامية؛ نموذج يجمع بين الفكرة والتجربة والتقنية والشراكة وصناعة المستقبل.
ماذا يمكن أن نستفيد نحن كإعلاميين؟
بالنسبة لي، فإن القيمة الحقيقية لأي مشاركة في المنتدى السعودي للإعلام لا تتمثل في الحضور فقط، وإنما في مقدار ما يمكن أن يعود به الإعلامي معه إلى بلده ومؤسسته.
يمكن أن تكون الاستفادة فكرة جديدة، أو تجربة مهنية مختلفة، أو معرفة بتقنية حديثة، أو فرصة للتواصل مع مؤسسة إعلامية، أو حتى مجرد اكتشاف طريقة مختلفة في التفكير وإدارة العمل الإعلامي.
وأعتقد أن أهم درس يمكن أن يتعلمه الإعلامي من هذه التجربة هو أن التطور لا يتوقف.
فالإعلام الذي كان ناجحًا بالأمس قد لا يكون كافيًا للغد، والمؤسسة التي لا تطور أدواتها قد تجد نفسها خارج المشهد، والإعلامي الذي يتوقف عن التعلم قد يجد أن العالم من حوله قد سبقه بمراحل.
ومن هنا تأتي أهمية المنتدى السعودي للإعلام؛ فهو يضع الإعلامي أمام المستقبل مباشرة، ويقول له بوضوح إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل منفتح، ومهارات جديدة، وقدرة على التعلم، وإيمان بأن الإعلام ليس مجرد وظيفة، وإنما صناعة تتغير كل يوم.
المنتدى السعودي للإعلام.. صناعة ثقة وصناعة مستقبل
إن النسخة السادسة من المنتدى السعودي للإعلام لا تأتي من فراغ، وإنما تأتي بعد مسيرة استطاع خلالها المنتدى أن يبني لنفسه حضورًا واضحًا في المشهد الإعلامي العربي والدولي.
وتأتي الرعاية الملكية الكريمة لتمنح هذه المسيرة بعدًا أكبر، وتؤكد أن الإعلام يحظى بمكانة متقدمة ضمن المشروع السعودي الطموح.
كما أن الحضور المتنوع، والورش المتخصصة، ومعرض «فومكس»، ومبادرات الابتكار، واستضافة القيادات والخبراء، كلها تؤكد أن المنتدى لا يريد أن يكون مجرد منصة للحديث عن الإعلام، بل يريد أن يكون جزءًا من عملية صناعة الإعلام نفسه.
وفي عالم تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتغير فيه عادات الجمهور، وتتبدل فيه أدوات صناعة الأخبار والمحتوى، تصبح الحاجة أكبر إلى منصات تجمع أهل المهنة حول سؤال واحد:
كيف نصنع إعلام المستقبل، بدل أن نكتفي باللحاق به؟
ويبدو أن المنتدى السعودي للإعلام اختار أن يكون أحد الأماكن التي يُطرح فيها هذا السؤال، والأهم أنه يعمل على تحويله من سؤال إلى أفكار ومشروعات وشراكات وتجارب قابلة للحياة.
وهنا تكمن قيمة المنتدى الحقيقية.
فالإعلامي الذي يغادر الرياض بعد أيام المنتدى لا ينبغي أن يغادرها بانطباع جميل عن فعالية ناجحة فحسب، بل أن يعود إلى مكتبه بفكرة جديدة، ورؤية أوسع، وشبكة علاقات أقوى، وإيمان أكبر بأن مستقبل الإعلام يُصنع اليوم.
ولذلك فإن المنتدى السعودي للإعلام، في نسخته السادسة، لا يبدو مجرد دورة جديدة من حدث أثبت نجاحه؛ بل يبدو محطة جديدة في رحلة طموحة لبناء صناعة إعلامية أكثر ابتكارًا وانفتاحًا وتأثيرًا، ورسالة تؤكد أن الرياض لم تعد تكتفي باستضافة الحوار حول مستقبل الإعلام، وإنما أصبحت تسهم بصورة فاعلة في صناعة هذا المستقبل.
التعليقات مغلقة.