ويستمرّ الفرز السياسي (2/1)نص الناشط السياسي والنقابي:
النفطي حولة- 12 سبتمبر 2026
مقدمة: كثر اللغط وخطاب التشنيع والشيطنة في المدة الأخيرة ضد نظام قيس سعيد حتى وصلت هذه الحملة الشعواء الشرسة إلى الكذب والتدجيل والتلفيق. وقد كانت حملة ممنهجة و ممركزة في عديد الصفحات المأجورة، والتي تؤكد ضلوع الإخوان المسلمين كطرف أساسي في هذه الحملة المسعورة اختلط فيها الذباب الأزرق بالأحمر والأخضر و البرتقالي بوعي أو بغير وعي، وحتى الرمادي والذي لا لون ولا طعم ولا رائحة له. ولعلّ كل الألوان الأخرى التي انخرطت في هذه الحملة تبحث لها عن موقع فيما ينتظرونه حسب ما هو مخطط له في الخارج وبتحالف مع قوى إقليمية ودولية وأذرعة صهيونية تحت عناوين جمعيات مدنية ومنظمات مجتمع مدني باتت رهينة وأسيرة ضيق الأفق لتضع نفسها في خدمة أجندات مشبوهة لصالح الجبهة الصهيونية الظلامية. بل إن أحد أهم المنظمات الوطنية باتت تبحث لها عن مربع في الحكم وتموقع في السلطة متوهمة حصولها على جائزة نوبل للسلام المشبوهة للمرة الثانية. حتى أنها باتت لا تستحي في دكّ إسفين العلاقة بين المنظمة والعمال لضرب أعتى منظمة جماهيرية تأسست تاريخيا في سياق خوض الصراع الوطني والاجتماعي ضد المستعمر الفرنسي الغاشم. وذلك من خلال توظيفها سياسيا في خدمة الأجندات الحزبية السياسية المشبوهة والمتواطئة مع فرنسا وامريكا.
وما نريد تأكيده في هذا النص التاريخي، أن المطلوب من وراء فبركة الأباطيل وصناعة الأحابيل مع غياب الحجة والدليل ضد قيس سعيد الرئيس الشرعي والمنتخب في الواقع هي الدولة التونسية والوطن. وباختصار المطلوب في هذه المرحلة وفي السياق الجيوبوليتيكي هوإعادة رسكلة نخب سياسية في الداخل والخارج لإشاعة وتأميم وتعميم الفوضى الخلاقة لإنتاج ما يشبه الربيع العبري الذي لا قدر الله يبدأ في تونس ليطلّ برأسه الخبيث على الجزائر المطلوبة باعتبارها الجائزة الكبيرة من زمان، و مصر هي الأخرى مازالت تحت الطلب على الرغم من نظام السيسي المطبع باعتبارها الجائزة كبرى في مشروع الشرق الأوسط في نسختيه الكبير والجديد.
الفرز لن يكون إلاّ على أرضية المسألة الوطنية:
من هنا ندخل في جوهر الموضوع. وليس صدفة أننا كثفنا في المقدّمة عديد القضايا المتشابكة والمترابطة وفيها خيط ناظم هو نقطة الفصل وهو المفصل. ولم يكن أيضا تأكيدنا على الجبهة الظلامية الصهيونية منذ البداية عبثا في التحليل أو في الرؤية أو في النتائج.
ذلك أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي تأسس بتمويل بريطاني و تدعيم أمريكي الذي ترعاه قطر (الجزيرة العبرية) وتركيا أردوغان قد استفاد من تجارب الحكم في كل من تونس ومصر والمعقل الأخير في سوريا الجولانسكي التي باتت محتلة من التركي والامريكي والصهيوني.
الوضع الجيوسياسي والجيواستراتيجي:
وإذا أردنا التعمق في سياق تحليلنا لعملية الفرز السياسي بين القوى المتمسكة بالثوابت الوطنية والقوى النقيضة لها جدليا فالضرورة تقتضي إلقاء لمحة على الوضع الجيوبوليتيكي و الاستراتيجي محليا وإقليميا ودوليا من حولنا. وطبعا ما يخطط لتونس في المرحلة القادمة.
هنا لا بد من رؤية المشهد رؤية بانورامية لما بعد ثورات الربيع العربي التي قيل أنها ستحمل معها الحرية والديمقراطية والنمو.
ونحن نتحدث عن ثورات الربيع العربي الناتوية المشبوهة لا يمكن أن نتغافل عن الدور الخطير الذي انخرط فيه أردوغان الإخوان. وبعجالة للتذكير فإن الثعلب الماكر اردوغان في مسار تجربته الإسلامية في الحكم سينقلب أولا على نجم الدين اربكان الذي قاد التجربة الأصيلة لمؤسسي الرؤية الوطنية، وسينقلب ثانيا على عبدالله غول واحمد داوود اوغلو وغيرهما ليركز تجربته السياسية في الإسلام السياسي اتحت عنوان “الإسلام الديمقراطي” على شخصه. وقد استلهم تجربته من الفكر السياسي الميكيافيلي البراغماتي في تأسيسه لحزب العدالة والتنمية فيما بعد. وهو حزب محافظ ليبرالي ديمقراطي يشبه الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا. وبما أن أمريكا تعتبر تركيا مجالها الحيوي أغدقت على تجربة أردوغان للإسلام السياسي السياسية الأموال والاستثمارات في سبيل نجاح التجربة لغاية في نفس يعقوب. وبالفعل قدم اردوغان نموذجا اقتصاديا واداريا ناجحا في العشرية الأولى من 2001 حتى 2010. مما سيتيح للمشروع الأمريكي بنقل تلك التجربة السياسية الناجحة للإسلام الديمقراطي على الطريقة الامريكية الغربية مع جماعات الاخوان السلمين في الوطن العربي، وأساسا ضد الأنظمة الجمهورية. وهكذا جيء بتجربة الإسلام السياسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين في مرحلة الربيع العربي الذي كان يُطبخ على نار هادئة بين الدوحة و واشنطن ومنصات بولونيا ورومانيا.
ماذا حملت معها”ثورات الربيع العربي”؟
بيد أن هذه الثورات الملونة على العكس من ذلك لم تحمل معها غير الشوك والإرهاب والتخريب والخراب . وها هي ليبيا الدولة المفككة مازالت تحت حكم العصابات الإرهابية المسلحة تتنازعها الأطراف الأجنبية، أما سوريا فأصبحت تحت قبضة الاحتلال الثلاثي بين الصهيوني والأمريكي والتركي تحت حكم الجولاني “الديمقراطي جدا”. وفي الحقيقة والواقع لقد مثلت سوريا الجولاني أخطر زلزال في “ثورات الربيع العربي” لضرب محور المقاومة في مقتل. ولعل سقوطها بهذا المعنى يعد كسبا استراتيجيا مؤقتا للمشروع الصهيوامريكي في المنطقة.
أما السودان فمازال منهكا بالحروب الطائفية والأهلية ويُعْبَث بمستقبله دولة وشعبا لزيادة تقسيمه ونهب خيراته. و بعيدا عن ذلك ها هو الصومال وبتدخل صهيوني غير مباشر عن طريق الإمارات، ولا سيما ما قامت به من دور خطير في ميناء بربرة في إقليم “أرض الصومال الانفصالي” من “تحركات مشبوهة تمنح بها “إسرائيل” موطىء قدم أو اعتراف متبادل بين “اسرائيل و إقليم “أرض الصومال الانفصالي”. وتهدف هذه الخطوة السماح ل ” إسرائيل” بنفوذ أمني و تجاري في خليج عدن والبحر الأحمر لمواجهة التهديدات البحرية (مثل هجمات جماعة انصار الله في اليمن).” هذه الجماعة اليمنية التي شكلت من الضعف قوة مقاومة وممانعة ضد المشروع الأمريكي الصهيوني السعودي الاماراتي بتحالفها مع إيران لاسترجاع الدور الأصيل لليمن كدولة مستقلة ذات سيادة، بعد أن استبيح اليمن من طرف القوى اليمنية الرجعية وعلى رأسها الاخوان المسلمين باسم ثورات الربيع العربي.
وقد مثل أردوغان و الإخوان و بعض القوى الليبرالية المحسوبة على الغرب مثل الدكتور محمد منصف المرزوقي في تونس والدكتور برهان غليون في سوريا المعول الأكثر خطورة التي استخدمتهم أمريكا وفرنسا في “ثورات الربيع العربي”. و لا ننسى أنه في عز نشوته حَلُمَ و لا يزال باستعادة دور السلطنة العثمانية ليلعب دور السلطان الحالم بوهم امبراطورية الخلافة العثمانية. وها هو في ليبيا مازال يتمدد شرقا من خلال الانفتاح على صدام حفتر في محاولة لتقريب و توحيد وجهات النظر بينه وبين الدبيبة في الغرب.
وفي نفس السياق، وبالموازاة إلى الدور التركي لم يكن الدو الإماراتي مخفيا عن الأنظار من اليمن إلى السودان إلى الصومال كما جاء سابقا.
ولعل قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية نهائيا مع الإمارات جاء ليؤكد على دورها المشبوه والقذر لفائدة المشروع الأمريكي الصهيوني. وكانت خطوة محسوبة من الطرف الجزائري بعد مرحلة اختبار عسير و صبر كبير تبيّن مع الوقت أن دولة الإمارات تعمل على اختراق أمن الدولة الجزائرية محليا وإقليميا في انسجام تام مع الدور الموكول لها في آسيا باليمن وفي الصومال والسودان بأفريقيا.
الخلاصة:
و نخلص في النتيجة إلى أن ثورات الربيع العربي لم تكن بريئة عن التدخلات الأجنبية. أما الأساسي فيها ولعلّه المركزي هو تهيئة الاخوان المسلمين لاستعادة دورهم الوظيفي في تخريب تلك الثورات التي انطلقت مشروعة في مطالبها و أهدافها. كما أن الغاية منها هو إعادة تشكيل الخرائط ومنطقة الشرق بالخصوص في سياق تحويلها عمدا إلى حروب طائفية وأهلية ومذهبية تحت عنوان “دمر نفسك بنفسك”. وهذا ما عشناه في كل قطر عربي على حدة. واكتوينا به في تونس في عشرية الدم والإرهاب وتقسيم المجتمع افقيا على الهوية إلى دار إسلام ودار كفر، واستشراء الفساد والتفريط في السيادة الوطنية.
التعليقات مغلقة.