من أخرج غول الجهويات من القمقم؟
حلقة وصل
المراجع في هدوء للشعارات المرفوعة بين يوم 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، يلاحظ ليس فقط أنّها كانت ذاتها من أدنى البلاد إلى أقصاها، بل كذلك (وهذا المهمّ) يلاحظ غياب أيّ شعار يحمل أو يحيل على أبعاد جهويّة أو فئويّة أو مهنيّة أو قطاعيّة.
بمجرّد بزوغ فجر 15 جانفي 2011، انطلقت كلّ جهة وكلّ فئة وكلّ قطاع في تحديد مطالبها، بل اعتبرت هذه المطالب ذات أولويّة تفوق وتتفوّق على ما تحمل الأطراف الأخرى.
يد من وراء «الستار»
البعض يصدّق ويؤمن وينظّر لوجود «مؤامرة» والجزم بأنّ «يدّ» تحرّك منظومات «المطالب» التي شهدتها البلاد ولا تزال تشهدها وستشهدها إلى أجل غير معلوم، لكن وجب قبل النظر وراء الكواليس والغوص في الغرف المغلقة والسريّة، ومن ثمّة الجزم بوجود «مؤامرة» أو عدم وجودها، النظر إلى طبيعة الوضع وأساسًا أداء الطرف أو بالأحرى الأطراف التي حكمت البلاد وتحمّلت مسؤوليّة القيادة، منذ عشيّة 14 جانفي 2011 إلى يوم الناس هذا، وأساسا قدرة هذه الأطراف (فرادى وجماعات) على فهم التحوّلات الهامّة التي شهدتها البلاد، وخاصّة شهدها العالم منذ صباح يوم 17 ديسمبر 2010 ولا يزال.
علميا ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن الجزم أنّ النعرات الجهويّة أو الفئويّة أو المهنيّة أو القطاعيّة، لا تنبت أو تنمو وتترعرع سوى حين يتعطّل المشروع «الوطني» الجامع، بمعنى أنّ عجز النخب الحاكمة عن الجمع بين خطاب ثوري فعلي وفاعل، و واقعيّة سياسيّة ذات بعد عقلاني ومنطقي، جعل العمق الشعبي، إمّا لا يصدّق خطاب هذه الطبقة السياسيّة أو هو لا يراها أصلا.
من الأكيدة أنّ «المؤامرة» تمثّل جزءا من صناعة التاريخ، لكن (وهنا المهمّ) لا يُمكن أن تمثّل التفسير الأوحد له، وبالتالي، عند النظر إلى الملّفات «الحارقة» الراهنة، يمكن التصديق أنّ هذه الجهة أو تلك «لعب دورًا» في تأجيج الأوضاع في كامور أو غيرها من الجهات. تلك طبيعة المرحلة وما هي عليه الأوضاع في بلد لم تستقرّ فيه الطبقة السياسيّة (ضمن المعنى الواسع للكلمة) على أمرين :
أوّلا : الحدود الواضحة والفواصل الجليّة بين ما لا يجب المساس به من «مقدّسات» مقابل ما يمكن المراهنة عليه والتعاطي معه.
ثانيا : طبيعة الأدوات الممكنة اعتمادها عن «المواجهة» مع الأطراف المقابلة أو التي هي جميعها تتصارع من أجل الحكم، حين الجزم قائم أنّ «التدافع» جزء مؤسّس للديمقراطيّة.
صفيحة ملتهبة
لم يعد من الممكن على الأطراف السياسيّة المتصارعة إخفاء حجم العنف اللفظي المتبادل بينها، بل تعلو وتيرة هذا العنف يومًا بعد يوم، ومن الطبيعي أمام غياب مناخ سياسي سليم وصحّي (وإن كان غير مشروع بالمفهومين الوطني والأخلاقي) أن يفكّر أهل كامور في مطالبهم حصرًا، ومن الطبيعي أن يتمّ حرمان هذه الجهة أو تلك من قوارير الغاز، وجهة أخرى من البنزين وجهة ثالثة من الماء، والحبل على الجرّار…
مصيبة هذه الحركات «الانعزاليّة» أنّ أقصى مطالبها يكمن في تحقيق ما تريد وإن كان على حساب الجهات الأخرى، أو دون التفكير في هذه الجهات أصلا، أو الاعتراف بوجودها وبحقّها أو بحقوقها هي الأخرى في ما تطالب به هذه الجهة أو تلك.
وبعد؟
سواء نبتت هذه «الألغام» بمفردها أو هي «قنابل عنقوديّة» موقوتة تمّ زرعها وسيتمّ تفجيرها، لا يكفي البكاء على أطلال «الدولة الوطنيّة» ولا يفيد الجزم بوجود «مؤامرة» لتنتفي المسؤوليّة عمّن وجب عليهم تحمّل المسؤوليّة.
كذلك من السذاجة ومن السخف الجزم أنّ جميع الدول التي تعرف فوارق جهويّة مؤهلة للسقوط في مستنقع هذه الصراعات، لأنّ دولة مثل سويسرا، تعرف من الفوارق اللغويّة أكثر ممّا ما هو قائم في تونس، ولم نسمع أنّ سكّان زوريخ قرّروا قطع الماء عن سكّان جنيف، أو سكّان بارن رفضوا تمكين أيّ مقاطعة من قوارير الغاز.
الخطر كلّ الخطر أنّ الجميع يرد «حلاّ» أو «الحلّ» سريعًا ودون إبطاء، بل في رمشة عين، والمصيبة أنّ العجز قائم على مستويين :
أوّلا : تمكين جميع الأطراف الجهويّة أو الفئويّة أو المهنيّة أو القطاعيّة من مطالبها،
ثانيا : عجز هذا النمط من المطالبة، حتّى في صورة وجود ما يكفي الموارد، عن التأسيس لدولة جامعة مانعة، دولة العدالة الاجتماعيّة، ودولة الوطن لجميع أبنائه وبناته.
المصدر: شكشوكة تايمز
التعليقات مغلقة.