conto erotico

هكذا تطبيع ..وهكذا ليس تطبيع …


حلقة وصل _

من بين كل الطابوهات في المنطقة العربية السياسية والدينية وحتى الاجتماعية، لم يتبق إلاّ “التطبيع” إذ يمكن للعربي أن يتحدث بصراحة عن الجنس، عن علاقاته خارج الزواج، عن عدم التزامه دينيا، لكنّه سيفكّر مرات عديدة قبل أن يتحدث عن التطبيع، سواء بشكل مباشر كأن يناقش موضوع التطبيع وتُتَبَادَل حوله وجهات النظر (مع أو ضد)، أو بطريق غير مباشر كالحديث عن إسرائيل كدولة، كثقافة وكمجتمع، خاصة إذا صرّح المتحدث بإقباله على استهلاك أحد المنتجات الفكرية القادمة من هناك، فهو معرّض إمّا للخوف من تعنيف الآخرين وإمّا لتأنيب داخلي من خلال الرّقابة الذاتية. ترى لماذا هذا الخوف والتأنيب؟ وهل له ما يبرره في حاضرنا اليوم بكل مستجداته، بنفس الشكل والطريقة الماضية؟ أي موقف يمكن للعرب اليوم تبنيه من إسرائيل؟ على الجانب الآخر، هل تهدف إسرائيل فعليا إلى “التطبيع” مع العرب؟ أسئلة ليس من اليسير الإجابة عليها بسبب طابعها المركب، إذ كل سؤال يحيل إلى تحليل خلفية تاريخية، سياسية وأحيانا اجتماعية وثقافية للوقوف على جوهره ثم بعد ذلك محاولة الإجابة إن أمكن. يضاف إلى هذا التعقيد المنهجي، مشكلة نفسية مرتبطة بالخوف من أن يبدو المقال كدعوة صريحة للتطبيع وليس هذا الهدف هنا -بكل تأكيد-، لأنّني على وعي تام أنّ مجرد طرح هذه الأسئلة بهذه الطريقة، هو خرق لفكرة المقاطعة ذاتها، وقد يعرضني للتعنيف أو التأنيب، لكن على الأقل من ناحيتي ليس لدي أدنى شعور بالذنب وأنا أخوض في هذه المعاني.

 

إلقاء نظرة مقتضبة على معنى لفظ “تطبيع” في الموسوعات السياسية العربية، لم يكن ذا فائدة تذكر، لأنّها تكرّر الدّلالات ذاتها المتداولة شعبيا كـــ”عودة الأمور إلى مجراها الطبيعي، إنهاء الصراع، إعادة الأراضي المحتلة، اعتراف متبادل، علاقات طبيعية” غير أنّ بعضها يضيف فرقا مهما بين التطبيع السياسي والشعبي، فيربط الأول بالضّرورة السّياسة والثاني بالرفض الشعبي: “التطبيع السياسي هو نتاج تسويات وحلول سلمية، يجري التفريق بين تطبيع رسمي (ضرورات الأنظمة) وتطبيع شعبي (رفض الجمهور لهذا التطبيع)” (ملحق الموسوعة السياسية، ابراهيم التجاني الطيب، ص 256). تفضيلنا الوحيد المتاح لفهم معنى التطبيع هو وضعه في سياقه التاريخي الذي ظهر فيه أوّلا، وتطوّر ثانيا ليصبح مُقدّسا أخيرا. سنركز النّظر في التطبيع بشقه الثقافي بمفهومه الواسع، أمّا الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية فلا يكاد يثار النقاش حولها لأنّ السياسة تغطيها بشكل يجعلها تمرّ دون ضجة، نظرا لحيويتها بالنسبة للبلدان العربية.

 

أول ما بدأ الحديث عن التطبيع، بدأ مع إنهاء مصر لحالة العداء مع إسرائيل والتفاوض حول السلام مقابل الأرض، بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل (18. 11. 1977)، فبالإضافة إلى الدول العربية التي أعلنت مقاطعتها الرسمية لمصر –بعد مؤتمر طرابلس 12. 1977 بين سوريا، ليبيا، العراق، الجزائر، اليمن الجنوبية ومنظمة التحرير الفلسطينية- نددت مجموعة من المثقفين اليساريين المصريين، معلنة مقاطعتها لكل نتائج هذه الزيارة وما سيليها. إلّا أنّ السلام قد تمّ سنة بعد ذلك من خلال إنهاء العداء بين البلدين، التقيّد بمعاهدة عدم الاعتداء وتبادل التمثيل الدبلوماسي والثقافي والتعاون الاقتصادي. لتصبح مصر وإسرائيل على قدر واحد من العداء في ذهن المثقف العربي اليساري والإسلامي، خاصة بعد إقصاء القاهرة من جامعة الدول العربية التي لم يسمح لها بالعودة إليها إلّا سنة 1989. من المهم هنا العودة قليلا إلى الماضي لفهم لماذا الجمع بين المثقف اليساري والإسلامي. النكسة التي خلفتها حرب 1967 كانت عاملا مهما في تحول سياسي عميق نختصره في نقطتين مهمتين: أوّلا، صعود الإخوان المسلمين في مصر وإعادة بعث فروعهم في باقي الدول العربية، عن طريق تغلغلهم من جهة في الأوساط البرجوازية من خلال التعليم (المدارس، الجامعات والنوادي الثقافية والرياضية)، ومن جهة أخرى استغلالهم لحالة الإحباط العام والفقر بين الطبقات الدنيا في المجتمع، عن طريق الإعانات وتوفير الخدمات المختلفة. لم يَخْلُ هذا العمل المزدوج من هدف لأنه كان تحضيرا لغدهم السياسي، من خلال إحكام قبضتهم على المجتمع وارتباطه بهم وانعدام وجود بدائل من طرف الدولة هذا داخليا، أمّا على المستوى الخارجي فقد عملوا على استثمار الرغبة في رد الاعتبار والانتقام للشّرف العربي المهدور الذّي لا يكون إلاّ باسترجاع الأراضي لتضعه في قلب خطابها– عن طريق الجهاد الذي شرّعه الله، دون الحاجة إلى شرح كيف ذلك- آلة المدرسة وسيطرت الجماعة على الإعلام المكتوب والمرئي فيما بعد، وتخريجهم لعدد كبير من الوعاظ الماهرين المقتنعين بأفكارهم، بالإضافة إلى استجلاب الرأس المال المحلي من خلال استمالة أبناء الطبقة الغنية وإسناد المناصب المهمة لهم داخل الجماعة، سمح لهم ليس فقط بمنافسة المثقفين اليساريين بل بالاستحواذ على مكانتهم والتحوّل من الهامش إلى المركز، ليصبحوا هم النخبة البديلة في المجتمعات العربية، هذا ما يفسّره بوضوح جملة الشّعراوي-حتّى وإن لم يكن منتميا صراحة إلى الجماعة لكنّه يشترك معهم في أساسيات تفكيره الاسلاماوي- بشأن النكسة وحرب 1973: “سجدت يوم النكسة ويوم حرب رمضان 1973، الأولى كانت حمدا لله لأنّنا لم ننتصر في أحضان الشيوعية فنفتن في ديننا، والثانية كانت حمدا لله على الانتصار لأنّ أحد قادة الثورة ومخطط شعاراتها اللواء عبد القوي اختار أن تبدأ بـالله أكبر”، رغم أنّ جمال عبد الناصر هو أكثر من حارب الشيوعية في مصر. أمّا الأمر الثاني المهم هو تحوّل القضية من صراع عربي-إسرائيلي إلى قضية فلسطينية، بعد أن أصبحت منظمة التحرير الفلسطيني الممثل الشرعي لها، التي سرعان ما تم الاعتراف بها من طرف الجامعة العربية.

 

تسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط خلّف نتائج على باقي الدول العربية، التي كان معظمها تحت تأثير مزيج من الأفكار الاشتراكية المُيَسَّرة والقومية العربية، ممّا أدخلهم في حالة إحباط مضاعف، فإذا كانت النكسة قد أحبطتهم عسكريا ونفسيا واقتصاديا فعلى المستوى الفكري والإيديولوجي، الوحدة العربية وأفكار المقاومة والتحرر عسكريا كانت ما تزال قائمة بدعم سياسي، بل أن بعض الأنظمة السياسية بُنِيَت عليها، مثل حزب البعث العربي الذي منه خرج حزبي البعث العراقي والسوري، دولتين من أهم دول المقاطعة، أو كانت أنظمتها تمسكا بالمقاطعة، بوضع قضية فلسطين في صلب خطابها السّياسي لتبرير طرق واستمرار نظام الحكم العسكري، خاصة بعد نجاح الأجنحة العسكرية لهذا الحزب وانقلابها على السلطة المدنية في البلدين – وليس الوحيدين في ذلك، إذ شهدت فترة ما بعد استقلال البلدان العربية واستلامها السلطة الذاتية مرحلة مهمة من الانقلابات العسكرية (مصر، الجزائر، ليبيا…)-. يذكر سعد مرتضى- أول سفير مصري في إسرائيل- في مذكراته أنّ السّادات قال لحافظ لأسد بالحرف “الجولان في جيبي وافق على السّلام وستسترجعها، فأجابه الأسد أن الأمر لا يهمه”، رفض الأسد الأب استرجاع الجولان لا يبرّره إلاّ محاولته الحفاظ من جهة على تواجده عسكريا في لبنان (منذ 1976)، ومن جهة أخرى ليبق مرتديا بزته العسكرية ويحكم حتّى الممات باسم حالة الحرب القائمة، الأمر ذاته بالنسبة لبقاء البدلة العسكرية في العراق في ليبيا في مصر على رأس الدولة إلى غاية مطلع هذا القرن، ولم تنته إلّا بتدخل خارجي أو ثورة شعبية.

الأجيال الجديدة خريجة المدارس الوطنية، والمستهلكة للمنتوج الثقافي ما بعد الاشتراكي، تلقت تعليما مبنيا على أساسين دعائيين: الأوّل، أنّ الغرب ماكر، يريد بها شرا وهو لا يتوقف عن التآمر عليها بل هو سبب تخلفها الاقتصادي، في عملية لاستبدال فكرة الاستعمار الكلاسيكي باستعمار حديث أكثر خطورة هذه الفكرة ليست خاطئة تماما لكنّ استغلالها سياسيا سيء وخطير. والثّاني، أنّ فلسطين قضية العرب الأزلية وواجب الجهاد لاسترجاعها فرض عين (بالمعنى الفقهي للعبارة). قد تختلف الصياغة من دولة إلى أخرى لكن التغيّر الإيديولوجي مشرقا ومغربا، أدّى إلى تحوّل الخطاب من قومي إلى خطاب إسلامي مع الحفاظ على كل عناصره الحيوية، ليستغل في التعبئة من أجل البقاء، والوقوف ضد عدو ما، العدو الدّائم والذّي لا يستدعي جهدا كبيرا لتوضيح لماذا هو عدو، يكفي أن تستعين ببعض الآيات والأحاديث والأدبيات الإسلامية القديمة، والاستعانة ببعض الكتب الغربية المعززة لهذه النظرة، والتي تترجم سريعا وتوزع في كل البلدان العربية لمؤلفين معادين بالأصل لليهودية وليس للصهيونية، ليطبقوا تلك المقولة التي يشهرونها في وجه كل معارض “وشهد شاهد من أهلها” يزيد الأمر تعقيدا إذا كان الكاتب يهوديا، مثل: “بروتوكولات حكماء صهيون”، الذّي كان يقدّم مجانا أمام الجامعة عندما كنت طالبة، كتاب روجي غارودي “الأساطير المؤسسة لإسرائيل” أو كتاب وليم كار”اليهود…وراء كل جريمة”، حتّى تبدو الأمور وكأنّها حقيقية، شأنها في ذلك شأن كل إيديولوجية تستنفر كل الطاقات لتثبت حقيقة اعتقادها وحشد مناصريها، خاصة إن افتقر هؤلاء المناصرون إلى تنشئة قائمة على النقد والتفكير والرؤية المختلفة، فتشلّ كلّيا ذكاءهم وتسدّ أمامهم باب العقل بخطاب تمتزج فيه عناصر من الوطنية، الإسلامية والهوياتية المعادية للآخر محشوة بكثير من الدّعاية والشّعبوية.

 

أدّى استغلال القضية الفلسطينية وموقف المقاطعة سياسيا إلى استمرار أنظمة شمولية لم تحقق أي تنمية مرجُوَة لأكثر من أربعة عقود. بل إنّما حقق شيئا مذهلا لصالح الإخوان بإخراج هذا المعنى “المقاطعة ورفض التطبيع”، من كونه موقفا سياسيا إلى كونه إيديولوجية دينية ذات صفة قدسية وطقسية، إذ يكفي أن تذكر أيّ شيء يخص إسرائيل حتّى تنعت بأنّك بوق تطبيع، تستغله الأنظمة السّياسية كما المعارضة في التأثير الشّعبي ونشر وجهة نظرها، التي تهدف غالبا إلى إبقاء الحال على ما هو عليه ومواصلة انفرادها بالسلطة أو الوصول إليها (في حالة المعارضة)، كما يستغله الأفراد أنفسهم للنيل من شرف الآخرين. المُطَبِّع غير شريف لأنّه يتعامل مع العدو، حتّى وإن كان ذلك من خلال قراءة رواية مترجمة إلى لغة أخرى، حتّى وإن كان عبر الاستماع إلى أغنية او تذوّق قصيدة شعرية، بالمقابل غير المطبع شريف وإن كان لصا محترفا، غشاشا بارعا، قاتلا أو دكتاتورا فاسدا. التحول من الموقف السياسي إلى الإيديولوجية الدينية يضفي غالبا معاني أخلاقية على أي فعل أو فكرة ليقدّس بعضها بينما يسمح باستباحة من يخالفها، أو من يمتلك وجهة نظر لا تتوافق معها، وصف أي مواطن عربي بأنّه مطبع هو وصمه بالخيانة والعار والكره إلى أقصى درجاته. لكن هل هذا واقعي؟

عندما أتحدث عن “التّطبيع السّياسي” فإنّني أقصد الدول العربية التّي تقيم علاقات رسمية مع إسرائيل سواء بشكل علني أو بشكل مُسْتَتِر. فور إعلان تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى عربية ويهودية ورفض العرب لذلك، أعلنت معظم الدول العربية حتى وهي تحت الاحتلال عن حالة الحرب ضد إسرائيل، بل أنّها لم تعترف بها ولم تَدْعُها بتسميتها السّياسية الرسمية بل استبدلتها بــ”الكيان الصهيوني” الذي ما يَزَال مستعملا من طرف بعض الدول العربية إلى غاية الآن. إلاّ أنّ امرا تغيّر بعد معاهدة السلام مع مصر والأردن وفيما بعد مع الفلسطينيين، فتمّ اعتراف هذه الأطراف بهذا الكيان على أنّه دولة قائمة. فمنظمة التحرير الفلسطينية وحتّى تستطيع الاتجاه إلى مفاوضات أوسلو كان لزاما عليها الاعتراف بدولة إسرائيل وبحقها في السّلام (يمكن مراجعة الرّسائل المتبادلة بين عرفات ورابين). أمّا بعد معاهدة أوسلو1993 التي رفضها أيضا مثقفون فلسطينيون وعرب كبار من أمثال ادوارد سعيد –استقال من المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1991 احتجاجا على الاتفاقيات- ومحمود درويش، لم يعد –إذن- من مبرر أمام الدول العربية الأخرى في عدم الإقدام على الخطوة ولو بشكل سري، إذ افتتحت مكاتب للتمثيل المتبادل (وإن لم يطلق عليها تسمية سفارة) لكل من المغرب وتونس وموريتانيا (1994)، ومكتب في قطر، أغلق في 2014 بسبب الحرب على غزة، مع ذلك العلاقات القطرية الإسرائيلية لم تنقطع بل يمكن اعتبارها الأكثر ازدهارا، لأنّ استثمارات قطر في غزة لا يمكن أن تتم إلاّ بموافقة وتصريف إسرائيلين، فضلا عن المنح التي تقدمها دوريا لحركة حماس، كضمانات للسّلام والاستقرار من جهة ودعم لبقاء الإخوان في حكم غزة من جهة أخرى، حسب صحف إسرائيلية بلغت مصروفات قطر في القطاع حوالي نصف مليار دولار استثمار مباشر زائد منح تصب مباشرة لقادة حركة حماس.

 

وقد بدأت مؤخرا بوادر تقارب سياسي بين إسرائيل وعدد من دول الخليج المهمة كالسعودية، الإمارات، عُمان، البحرين، ودول أخرى كالسودان. وحتّى الدّول التي تتبنى مقاطعة صريحة وخطابا عدائيا شديدا، لا تمنع مواطنيها من زيارة إسرائيل بجواز سفرها، كما لا تمنع الإسرائيليين بشكل مباشر من دخول أراضيها. الدولتان الوحيدتان اللّتين مازالتا تعتبران نفسيهما في حالة حرب مع اسرائيل هما سوريا ولبنان. أمّا العلاقة بين حماس وإسرائيل فهي علاقة المد والجزر، من جهة الحركة تبحث عن فرصة لعقد هدنة دائمة مع إسرائيل، إن حصلت عليها يعني أنّها ستنفرد بالقرار السّياسي الخارجي في غزة، بالإضافة انفرادها بالقرار الداخلي حتى الآن، الضّغط بكل الطرق من أجل هدنة ما هو إلاّ اجتهاد لتقدّم الحركة نفسها كبديل سياسي مقبول ومرن أمام منظمة التحرير الفلسطينية المأزومة حاليا.

 

إذا كان هذا الحال على المستوى السياسي، فإنّه على المستوى الاجتماعي والثقافي أكثر تعقيدا، والسبب في هذا أنّ الخطاب السّياسي سواء عند الحاكم أو المعارضة لم يتغيّر، رغم تغيّر العلاقات وتطبيعها-أو تقريبا-، حالة التعبئة الشعبية المبنية على أساس المقاطعة والمقاومة ذاتها، ورفض التطبيع، بل تكاثرت الخطب حول العداء لليهود والصّهاينة دون أدنى تفريق أو تمييز. يذكرني هذا بفيلم عمرو عرفة –السفارة في العمارة-، ساخر لكنّه معبرّ جدا عن حالة الانفصال التام بين المجتمع، الخطاب الشّعبي والنّظام السّياسي، في القاهرة حيث سفارة إسرائيل في عمارة يقطنها أحد الرافضين جدا للتطبيع، عبّر الفيلم بذكاء عن عدم جدّية رفض التطبيع، واختصاره في خطابات جافة لبعض الجامعيين، وخروجهم في مسيرات تردد شعارات تعود إلى السبعينات دون فعل حقيقي، بينما يظهر على الجهة الأخرى المستثمر الإسرائيلي مرتاحا داخل مصر ينتظر منتوجه الزّراعي. مهما يكن من أمر الفيلم فهو يعكس هذه الحالة العامة لمعظم العرب سياسيا واجتماعيا، يكفي أن تتلفظ بخطاب معادي وبعدها افعل ما شئت.

 

تنعكس هذه الازدواجية، على الأفراد المقبلين على استهلاك المنتوج السّينمائي والتلفزيوني القادم من تل أبيب، بعد إعجابهم الشّديد به ومواصلة مشاهدتهم لكل حلقاته وأجزائه، دون تفكير في أن ذلك الفعل ذاته “تطبيع” بالمفهوم الذّي يعيبونه هم أنفسهم على غيرهم، وكنوع من التكفير عن الذّنب بشكل واع أو غير واع يشبه- أكل التفاحة بيد وتغطية ما انكشف باليد الأخرى-، للحفاظ على منطقة الراحة النفسية لديهم وعدم الخروج منها بقول الحقيقة لأنفسهم، بدل ذلك يلجأون إلى كتابة مقالات توضح المكامن المفترضة للدّعوة إلى التّطبيع في المنتوج التلفزيوني الإسرائيلي، الخطاب يكفي عن الفعل، إذ صاحب الخطاب لا يشعر بالتناقض مادام كتب مقالا يشرح فيه ذلك لا يعتبر نفسه مطبعا، بل مقاوما رغم استهلاكه المواظب للمنتوج. وعلى النقيض الآخر أي مسلسل أو رواية أو أغنية عن أي يهودي عربي، يمكن أن يثير ضجة وردة فعل شعبوية تشمل كل المستويات من: الصحافيين إلى المثقفين والساسة إلى المشاهد العفوي الذي لا يعنيه كثيرا موضوع المسلسل بقدر ما يستجيب للإعلام وتوجيهه، حتّى وإن كان المنتوج يتناول قضية اجتماعية بحتة حدثت في الأربعينات من القرن الماضي، ويستدعي بثه شتم الممثلة الرئيسية ووصفها بالعجوز الشّمطاء من طرف أحد قادة حماس.

 

ليست حالة الانفصام التي يعيشها السياسي بتطبيعه من جهة وتبنيه خطاب معادي للتطبيع من جهة أخرى مقتصرة عليه فقط، بل تتعداه إلى المستويات الفردية، الاجتماعية، الثقافية والفكرية، يدعوني هذا إلى طرح السؤال من الجهة الأخرى: هل تحتاج إسرائيل إلى التطبيع وتسعى إليه؟

اسرائيل والعرب

 

بلغ العرب (مسلمون ومسيحيون) تقريبا 21% من الديموغرافية الإسرائيلية (إحصائيات 2018)، يتضاعف العدد إذا أضفنا له اليهود من أصول عربية، يحافظون على تقاليدهم العربية تعبيرا على انتمائهم وعربيتهم. الإصرار على الانتماء الثقافي العربي ليس محصورا في العرب من سكان إسرائيل بل نوعا ما هو سياسة الدولة، إلى غاية 2018 اعتبرت اللّغة العربية لغة رسمية في نفس المستوى مع اللّغة العبرية- لتتراجع إلى مستوى أدنى وتصبح لغة لها مكانة خاصة بسبب سياسة اليمين المتطرف-، يمكن لأي طالب مزاولة كل دراسته بها إلى غاية الثانوية العامة (لغة وأدب عربي)، هذه الثنائية اللغوية لا نجدها في أي دولة عربية مع لغات الأقليات (الكردية، الأمازيغية…). المعاهد الموسيقية العربية تحفظ تراث الأقليات المغاربية، العراقية، الفلسطينية وغيرها، عن طريق إعادة تسجيل كل الأغاني الأندلسية من طرف الاوركسترا الوطنية للموسيقى الأندلسية في القدس، هذا التذكير ليس لإبداء الإعجاب بقدر ما هو لفهم اختيار إسرائيل السياسي والانتماء الثقافي، بأن تكون في نفس الوقت بلد يتجه غربا بمكونه الغربي وشرقا بمكونه العربي.

 

هدفت إسرائيل حين تأسيسها إلى أن تصبح قوة اقتصادية في المنطقة وجيرانها العرب مستهلكين، إلّا أنّ صعوبة تحقيق ذلك بسبب الحروب من جهة، وتأخر القبول بها من جهة ثانية أدى إلى تغييرها تماما لوجهتها نحو أوروبا وإفريقيا، ولتكون رغم الرفض العربي أكبر قوة اقتصادية في المنطقة بدخل قومي تجاوز 390 مليار دولار (إحصائيات 2019)، استثمارات الصين، أمريكا، دول الاتحاد الأوروبي، تركيا وغيرهم أغنتها عن حاجتها للسوق العربية. أما من الناحية السياسية فإسرائيل لا تسعى بشكل مُقَنَّع أو صريح إلى التطبيع مع العرب، ربّما سعت إلى ذلك قديما، لكن بعد فقدان مصر للزّعامة في المنطقة، بضعفها الاقتصادي الحالي ومشاكلها السياسية العميقة، بالإضافة إلى حالة الحرب الأهلية التي تعيشها سوريا وليبيا، والانتفاضات الداخلية العربية، والخطابات العدائية بين دول الخليج، وانقسام الفلسطينيين على أنفسهم، ما الذي سيخيف إسرائيل؟ ولماذا تحاول التطبيع مع العرب، وقد أصبح الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي يطل علينا من قناة الجزيرة كيفما شاء، ربّما لا يسمح للناطق باسم الجيش المصري الظهور في الجزيرة في حين يسمح للإسرائيلي بذلك. المشكلة الوحيدة التي أرقت تل أبيب طيلة أعوام كانت مرور طائراتها عبر المجال الجوي لبعض البلدان العربية، وها هو أصبح متاحا الآن ولا يطرح أي إشكال، باستثناء بعض المجالات الجوية المحدودة جدا وغير المهمة لها.

 

التحول من مقاومة الغياب إلى مقاومة الحضور

 

ارتبط الحديث عن المقاومة والممانعة والمقاطعة في أذهاننا بالسّلاح والحرب، لكن الحقيقة أنّ المقاومة المسلحة هي أبسط أنواع المقاومات وأكثرها إرهاقا واستنزافا، إذ الأشكال الفكرية والثقافية والدبلوماسية من خلال التكوين الجيد للمثقف، السياسي، الدبلوماسي ورأس المالي العربي قد يكون أكثر فعالية، لأنّ هذا النوع من الفعل المقاوم دائم مستمر لا يتوقف بمجرد وقف إطلاق النار ووضع السلاح، ربّما يجيب أحدهم وهو ما نفعله برفضنا لكل ما هو إسرائيلي، حسنا هل هذه مقاومة؟ في نظري هذه ليست مقاومة ولا حتى مقاطعة بل مجرد استمرار لخطاب فارغ يعبّر عن الكسل فقط، لأن المقاومة فعل ايجابي أما المقاطعة بهذا الشكل فهي فعل سلبي، ويضر أكثر مما ينفع، يحرم الكثير من العرب من المشاركة في فعاليات قد تفيد جدا في رفع أصواتهم، والسّبب أن هناك إسرائيليا شارك في الفعالية، رفض وجود معاهد ومراكز بحث خاصة بالتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع تخص هذا البلد يحرم الكثير من الباحثين العرب من البحث في التخصصات اليهودية والإسرائيلية، عدم الاطلاع على المنتوج الفكري الإسرائيلي حوّل إسرائيل إلى شبح ضخم لا نعرفه، إلاّ من خلال الآلة الإعلامية الرّسمية، الهادفة غالبا إلى إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، واستغلال القضية الفلسطينية أكثر فأكثر لصالح بقائها في الحكم بشتى الطّرق، كتصوير الفلسطينيين من خلال هذه الآلة السياسية-الإعلامية ذاتها، على أنّهم شعب مسكنة وفقر واضطهاد، حتّى حوّلهم هذا في المخيال الشعبي العربي إلى مجرد متسولين يقتاتون على التبرعات الدولية، بينما لا يلتفت إلى الطاقات والذكاء فلسطيني لأنّه لا يخدم الأنظمة السياسية (أو الأحزاب المعارضة) المستفيدة من حالة المسكنة.

 

حان الوقت للتخلي عن هذا الموقف السّلبي، والتعامل بواقعية أكبر مع القضايا المهمة على أنّها مسائل عقلانية وجب التفكير فيها بمعطياتها العملية بإجراء البحوث الجادة حولها، والاطلاع على هذا الآخر لتحوليه من عدو غامض إلى حجمه الحقيقي، لتحقيق نوع من تكافؤ الفرص للدّفاع عن الذات. إنسحاب العرب والفلسطينيين من الكثير من المنظمات والتظاهرات أفقدهم الكثير من المصداقية والحيوية في إظهار الوجه الحقيقي لأشكال الاحتلال الإسرائيلي، واقتطاعاته للأرض واضطهاده للمواطن الفلسطيني والإضرار بإنسانيته. التعامل بالندية لا يكون عن طريق المقاومة السلبية، بل عن طريق المشاركة من خلال المعرفة العلمية، التاريخية، الاجتماعية، التّي ستؤدي حتما إلى التحول من مقاومة الغياب والصمت إلى مقاومة الحضور والصوت المسموع.

 

أخيرا، هذا التحوّل سيخلّصنا من عدّة عقد نفسية وتاريخية، أهمها أنّه لن يسمح لأي حاكم أن يحكم باسم قضية لا يحرك لأجلها إصبعه الصغرى، ثانيا أن لا يكون التطبيع مسبة وسقطة أخلاقية-دينية، يحاول باسمها رجل الدين أو متوسط الثقافة أن يقنع غيره أنّهم مستهدفون، وأنّ العالم كله يتآمر ضدهم لمجرد أنهم مسلمون للخروج نهائيا من الصّفة الاسلاموية الهوياتية للقضية الضيّقة إلى صفتها الإنسانية الأوسع، الأرحب والأعمق. أمّا ثالثها وأهمها أن نتحوّل من مساكين إلى فاعلين حقيقيين بالقدر الكافي لتقرير مصيرنا كأفراد وجماعات، لأنّ المنطق الذي استغّل لتنمية فكرة المقاومة المشوهة، هو نفسه الذي استغلّ في المنع من التفكير والتحرر والاستقلال بالرّأي وبالتّالي التقدم نحو العلوم والحرية فيها بدل الخوف منها لسبب أو لآخر.

Couua. Com

التعليقات مغلقة.

https://www.tamilkamaverisex.com a bushy oriental pussy offering.
www.kambimalayalamkathakal.cc bad stepdaughter sucking and riding.
map of the princess.https://mysexstory.pro/