وسائل التواصل الإجتماعي والرأي العام في فلسطين

0 260

حلقة وصل _ عائد خليل

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة أحد أهم وسائل نقل المعلومات بين الأفراد والمؤسسات والمنظمات، وتطورت لتصبح ركن أساسي في بناء منظومة الإنسان السياسية والفكرية والثقافية، ووفرت بيئة تفاعلية بدون قيود جغرافية أو سياسية، وأبرز مميزات مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي: انتشار المعرفة، التفاعلية والمشاركة، الحضور الدائم “غير المادي”، حرية الرأي والتعبير، كسر الحواجز والخطوط الحمراء، إلغاء الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين المستخدمين.

وبالتالي أصبحت عنصر أساسي للتأثير في الدولة والفرد على حد سواء من خلال: إزدياد العملية التفاعلية بين الافراد والمكونات السياسية والمجتمعية وسهولة الاستخدام بجانب انتشار الوسائل التكنولوجية، تجاوز العوائق الجغرافية والزمنية والمالية في عملية التواصل والتفاعل، تحول الأفراد من مرحلة (قارئ- مستمع- متفرج) من خلال وسائل الاتصال والاعلام التقليدية الى (منتج-موزع- ناشر- متلقي) في ان واحد وبالتالي أصبح الأفراد جوهر العملية التفاعلية وليس متلقي لها. بعد هذه المقدمة الموجزة وبالتركيز على الحالة الفلسطينية يعتبر موقع ” الفيس بوك” الأكثر انتشارا وحضورا بين الفلسطينيين، حيث تشير الإحصائيات الى وجود مليون مشترك فلسطيني على الموقع بمعدل93% من مشتركي خدمات الانترنت في قطاع غزة والضفة الغربية، وهو الأكثر استخداما من قبل النخب والاحزاب الفلسطينية.

واستغل الكثير من الفلسطينيين و النشطاء السياسيين تلك المواقع الاجتماعية بشكل ايجابي من أجل دعم ومناصرة قضية سياسية معينة مثل القضية الفلسطينية وقضية المصالحة الفلسطينية بينما كان هناك فئات أخرى قد استخدمت تلك المواقع الاجتماعية بشكل سلبي من أجل التشهير و الإساءة لشخصيات معينة أو من أجل نشر الاشاعات المغرضة التي تثبط من الروح المعنوية للشعب، كما أن لها بعض الافرازات المسيئة من خلال تشويه الحقائق والوقائع أمام الرأي العام بهدف كسبه مما أدي في الكثير من الاحيان لتشويه بعض الممارسات السياسية والنضالية بسبب الانقسام السياسي الحاصل.

وكان لهذه العملية التفاعلية دور كبير في تعزيز الوعي السياسي والمجتمعي لدى الفلسطينيين خلال عملية تلقي الاخبار والمعلومات والتفاعل معها كما زاد الادراك والوعي بخطورة الواقع السياسي الفلسطيني على القضية الفلسطينية، مما انعكس إيجابياً على المشاركة السياسية من خلال الكتابات والمناظرات وبث التسجيلات، وإعادة نسخ الفيديوهات، وطرح الاستبيانات واستطلاعات الرأي، كما أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي للشباب الفلسطيني في الداخل التواصل مع نظرائهم في بلدان اخرى من خلال الصداقات ومن خلال بعض الصفحات التي اطلقت لجمع شتات الفلسطينيين في الداخل والخارج، وبعض الصفحات والمجموعات التي اختصت بأصول العائلات وأبنائها وبلدانهم الأصلية قبل النكبة.

ويرى الخبراء أن التوظيف السياسي لشبكات التواصل الاجتماعي إنما يأتي في إطار ظاهرة أطلق عليها اصطلاحاً “الديمقراطية الرقمية”، حيث أن الفصائل الفلسطينية أصبحت تعتمد على صفحات المواقع الاجتماعية التفاعلية في التأثير على الراي العام عبر إنشاء مجموعات وصفحات خاصة بها، وتحمل أفكارها وتناصر قضاياها وتطرح برامجها للجمهور، كما عظمت مواقع التواصل الاجتماعي من مكانة وقيمة المستخدم (الفرد)، حيث جعلت له صفحة شخصية، تلك الصفحة يتحكم فيها بشكل كامل يعرض عليها ما يشاء ويسمح لمن يرغب بمشاهدتها ويحظر من لا يرغب به من مشاهدة صفحته.

وتنوعت أساليب المشاركة واختلفت دوافعها وتعددت طرقها ولم تقتصر علـى الأفـراد بـل تعدتها الى الاحزاب والتنظيمات والمؤسسات الاعلامية والشخصيات العامة ،حيث تم استخدام شبكات التواصل الاجتماعي كوسيلة لنشر الاخبار من خلال العديد من الصفحات على موقع فيس بوك كما وفرت منصات لصياغة الخبر وليس لتلقي الخبر فقط ، واتاحت فرصة التعليق عليه ومناقشته من خلال التحليل والنقد، مما وفر مساحة كبيرة للمناقشات وتداول الاخبار والآراء بين الجمهور.

كما أحدثت مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين تأثيرات كبيرة على الرأي العام، فهناك الكثير من القضايا التي نجحت في اثارة الرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فمثلا قضية المصالحة ودعم الاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وفضح جرائم الاحتلال، بجانب القضايا المجتمعية مثل حقوق المرأة وقضايا جرائم القتل والعنف الاسري. وكثير من القضايا التي اثبتت قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على خلق رأي عام حولها وفي بعض الاحيان تحفيز الرأي العام على الخروج للشارع، كما ان الفلسطينيين استفادوا من مواقع التواصل الاجتماعي في سهولة تحويل أي مشكلة خاصة يصعب حلها او تماطل الحكومة في حلها الى قضية رأي عام بعد ان كانت تلك القضايا حكراً على وسائل الاعلام التقليدية.

رغم أن الاستخدام الفلسطيني لمواقع التواصل اتسم بالبعد الوطني والسياسي، الا انه لم يسلم من استخدامه في الصراع السياسي الداخلي متأثرا بحالة الانقسام وما ننتج عنها حيث سجلت عدة حالات نزول الى الشارع تحت غطاء القضايا المطلبية والمعيشية بدعوة من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة “فيس بوك” مثل حراك الكهرباء 2017 وحراك بدنا نعيش2019 في قطاع غزة وحراك طفح الكيل 2020 في الضفة الغربية. وحول حرية الرأي والتعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي في فلسطين، فإنها تُنتهك من أطراف عدة، أبرزها سلطات الاحتلال الإسرائيلي والسلطات المحلية وجاءت انتهاكات الاحتلال الاسرائيلي من خلال اعتقال وتغريم نشطاء الشبكات وفرض الإقامة الجبرية عليهم أو الإبعاد المؤقت عن منازلهم. كما تستخدم تلك الشبكات لإسقاط وتجنيد العملاء ومحاربة المحتوى الفلسطيني والضغط على إدارات الشبكات لانتهاك حريات الفلسطينيين، أما انتهاكات السلطات المحلية جاءت من خلال مراقبة حسابات المستخدمين، وتهديدهم، وعمليات الاستدعاء والتوقيف والاعتقال، ومنع بعضهم من السفر على خلفية النشر، بالإضافة لسن قوانين ما يعرف ب سوء استخدام التكنولوجيا.

لقد خاض الفلسطينيين تجربة مع مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالأحداث والتغيرات والنجاحات والاخفاقات، حيث اثرت المواقع الاجتماعية بشكل كبير على الرأي العام، وأثرت في بعض الاحيان على الحكومات، فالعديد من المطالب نجح النشطاء في تحقيقها وعدد آخر فشلوا في تحقيقه، ولكن بشكل عام يمكننا القول بان الرأي العام الفلسطيني يمكن التأثير عليه بشكل كبير من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.