رسالة إلى أمّ الإرهابييْن الشقيقيْن بأكودة …

0 5٬462

بقلم : رشيد الكرّاي 

سيّدتي أعلم أنّ كلّ الكلمات بكل اللّغات تعجز عن وصف ما تشعرين به ، تماما كما أمّ وزوجة الشهيد البطل سامي المرابط ، لكنْ حسب هاتين السيدتين أن يشاركهما حزنهما كل أبناء شعبهما وكل أحرار العالم حيثما كانوا ، أمّا أنت سيدتي فستعيشين حزنك لوحدك ولن يشاركك فيه أحد حتى من الأهل والأقارب والجيران ، ولن تسمعين كلمة مواساة واحدة بل ولن تتقبّلي من أحد عبارات العزاء . حسب أمّ سامي وزوجته وأبناؤه أنّهم سيلقون الإحاطة والدعم والرعاية من الجميع دولة ومؤسسات وأفراد ، وحسبهم أنّهم سيحملون صفة أمّ الشهيد وزوجة الشهيد وأبناء الشهيد ، صفة على وجعها وألمها هي مصدر فخر واعتزاز لكل عائلته وأهله وزملائه وأصدقائه ، أمّا أنت سيّدتي فستحملين رغما عنك صفة منبوذة لا يتمنّاها عدوّ لعدوّه صفة أمّ الإرهابييْن .

صحيح سيّدتي ، تعدّدت الأسباب والموت واحد ، لكن هلاّ ترين معي كيف تحوّل استشهاد سامي المغدور به إلى لحظة ألم وتضامن وطنيين لا مثيل لهما كما حصل مع من سبقوه من شهداء مؤسساتنا العسكرية والأمنية ، وكيف تحوّل مقتل ابنيْك إلى لحظة فرح وانتشاء وطنيين تشارك فيها كل التونسيين الشرفاء وأنا أحدهم ؟

حزنك سيدتي سيكون هكذا مضاعفا وستحملين ناره التي لن تخبأ يوما ما بقي لك من عمر أعلم أنّك تتمنّين أن ينتهي الآن وليس غدا .

كان الأولى سيّدتي أن أوجّه هذه الرسالة إلى أمّ الشهيد البطل وزوجته أمّ طفليه الاثنين والثالث الذي على أبواب الولادة ولن يعرف وجه أبيه مطلقا إلاّ من خلال ما تركه من ذكريات وآثار مصوّرة ، ولكنّي آثرت أن تكون هذه الرسالة موجّهة لك أنت أمّ الإرهابيين الشقيقين ، وأعلم كم هو قاس عليك هذا الوصف سيدتي لأنّي أتخيّل ما قد تكون عليه زوجتي وابننا الأصغر هو في نفس سنّ ابنك الأكبر صاحب الخمسة وعشرين ربيعا ، لو لا قدّر الله تورّط فيما تورّط فيه ابناك . فأنت يا سيّدتي أولى ضحايا إرهاب ابنيك ليس بفقدانهما في لحظة طيش مدبّرة للأبد ، بل لأنّهما قتلا فيك مشاعر الأمومة المقدّسة ، وأجهزا على كل بارقة أمل كنت تخطّطين لها لتراهما ناجحين ولتزفّهما لعروسيْهما ليلة العمر ، وتمنّيت على نفسك أن تكوني عاقرا على أن تنجبي شمعتين سيجعلان ما بقي من حياتك ظلاما حالكا ، ظلام غيابهما عن الوجود ، وظلام الناس والمجتمع الذي لن يرحمك في نظراتهم قبل كلامهم وهمساتهم قبل إشاراتهم : ها هي أمّ الإرهابيين وكأنّك أنت من أنشئتهما ودرّبتهما على أن يصبحا كذلك .

نعم سيّدتي أنت أولى ضحايا إرهاب لم تلحظينه في كلام أو سلوك ابنيك ، بل ربّما كما الكثير من الأمّهات كنتِ فرحة بأنهما “هاديهم ربّي” ويؤدّيان الصلاة حاضرة في المساجد ، ولم يدر بخلدك بأنّهما كانا في الحقيقة يتغذّيان بفكر وأدبيّات الإرهاب في عتمة الكهوف وغياهب الكتب الصفراء المُغيّبة لكل جدل وعقل ، المليئة حقدا وكرها لكل مخالف وكل مجتهد وكل متسامح ، والتي كانا يتلقّيانها ربّما في تلك المساجد التي كانا يرتديانها ، كأحكام قاطعة نزلت من السماء وكحقيقة ساطعة لا مراء فيها على أيدي بعض أشباه مشائخ الإفك والضلالة والسمسرة بحياة ودماء وأعراض شباب تائه من الذكور والإناث ، وفّرت لهم منظومة حكم ما بعد الثورة كل أسباب الانتشار والدعم الأدبي والمالي لدرجة أن وصفهم كبيرهم بأنّهم يذكّرونه بشبابه ، وبأنّهم يمثّلون الإسلام الغاضب .

لا أتمنّى لأي امرأة أن تكون مكانك سيّدتي ، فأنت لم تختري أن يكون ابناك إرهابييْن ، فقد اختار لهم آخرون هذه الصفة ، وأنت لم تكفّري يوما أحدا في حياتك ، فالتكفير بات منطق العصر بل وتحت قبّة البرلمان ، وأنت لم تصفي يوما أعوان الأمن والحرس والجيش بالطواغيت ، بل لنا من السياسيين من يعتبر مقتل أحدهم عملية استخباراتية مدبّرة وأنّ الإرهاب فزّاعة وأن “تعليم” الزوايا المغلقة والاعتداء الجنسي على الأطفال أرقى وأحسن تعليم في العالم … نعم سيّدتي أنت ضحيّة هذا المناخ السياسي العفن الذي يُزيّن الباطل ويُقبّح الحق ، وهو الذي أودى بحياة ابنيك وجعل منك ثكلى تندبين مصير فلذة كبدك ، ولا مُجيب ولا مُواسي لك … كم أشفق عليك سيّدتي …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.