الأذى بلغ المؤسسة الأمنية هذه المرة أردناه برلمانا لا «سيركا»..!

0 102

بقلم: مراد علالة

لسنا بحاجة للعودة إلى تاريخ البرلمان التونسي واستعراض تضحيات شعبنا قبل 9 أفريل 1938 وبعده من أجل فرض واختيار من يمثله، ولسنا مجبرين كذلك على استحضار صور طوابير التونسيين أمام مكاتب الاقتراع ذات 23 أكتوبر 2011 لغمس الإصبع في الحبر لتصعيد نواب المجلس الوطني التأسيسي وتدشين الجمهورية الجديدة، لسنا بحاجة لكل هذا كي نؤكد على أهمية مجلس نواب الشعب وهيبته ورسالته وخصوصا الشروط الواجب توفرها في من يظفر بالولوج إليه.

يقول عنه البعض أنه السلطة الأصلية ويزعم رئيسه الحالي أنه رئيس كل التونسيين والأهم من التفاصيل والمزايدات ما يوجد بوضوح في متن الدستور وفي تلابيب النظام الذي أرساه ـ بقطع النظر عن الموقف منه الآن ـ وهو نظام يعطي منزلة جدّ مهمة وخطيرة لمجلس نواب الشعب. نقول مهمّة، لأن النظام البرلماني يمنح المجلس صلاحيات «فرعونية» إن جاز القول تخوّل له ترتيب السلطة التنفيذية على المقاس بما أن المجلس وهو السلطة التشريعية يصعّد السلطة التنفيذية أي الحكومة التي تحتكر القسط الأكبر من الحكم ولا تترك لرئيس الجمهورية سوى مربع تحرّك صغير.

ونقول أيضا خطيرة، لأن اختزال السيادة، سيادة الشعب، تفرض على المجلس وتحديدا على نواب الشعب إكراهات سياسية وقانونية وأخلاقية وسلوكية لا يجوز التهاون بها ولا يعقل أن تصبح صورة نائب الشعب وصورة البرلمان مدعاة إما للسخرية أو للخوف والخشية على البلاد ومؤسساتها وعلى العباد وعلى التجربة التونسية المتعثرة.

وللأسف دخل مجلس نواب الشعب في نسخته الجديدة منعرجا لم يجرؤ عليه في نسخته السابقة، رغم ما سجلناه حينها من سلبيات وما وجهناه من نقد ولوم وشجب، غير أننا وصلنا اليوم إلى أبعد من الحضيض، تلاسن وتشابك وتنابز بالألقاب واتهامات وعنف لفظي ومادي وتطاول على مؤسسات الدولة لم يعد يليق بالإطار ولا يجوز السكوت عنه ولا نخال أن بيان رئاسة مجلس نواب الشعب مساء الجمعة كاف لإصلاح ما أفسده لفيف من سكان باردو فقط بدعوة رؤساء الكتل وكافة النواب إلى «تغليب المصلحة الوطنية على التجاذبات الحزبيّة والدوافع الذاتية للإيفاء بواجبات المؤسسة النيابية تجاه التونسيين»، لغة خشبية لا تسمن ولا تغني من جوع ما لم يقع تحميل المسؤوليات والاعتذار لمن حصل الضيم بحقهم ومحاسبة من اقترف الخطيئة والتنبيه عليه بشكل صارم حتى يلزم حدوده ولا تخوّل له نفسه العود.

إن الأولويات والمهام الملقاة على عاتق نواب الشعب كثيرة ولا علاقة لها بهذا الاستنزاف وهذا العبث خصوصا ونحن نكابد أزمة عميقة داخل منظومة الحكم وتنافرا وتدافعا بين الرئاسات الثلاث علاوة على وجود رئيس الحكومة في وضع لا يحسد عليه في علاقة بملف تضارب المصالح واحتمال التخلي عنه من قبل شركائه وما يعنيه ذلك من دخول نفق أزمة مضاعفة لا يعلم أحد الآن طبيعتها وطريقة علاجها.

إن للمؤسسة السيادية حرمة وللسيادة الشعبية حرمة ونواب الشعب ليسوا في وضع اختيار بين الانصياع واحترام هذه الحرمة من عدمه وعليهم أن يكونوا قدوة في احترام القانون واحترام بقية المؤسسات والقطاعات والمهن، والتغاضي عن صد هذا النائب أو ذاك هو الذي يشجع على التمرد والانفلات والإفلات من العقاب مثلما حصل مع النائب سيف مخلوف الذي تطاول قبل أيام على الإعلاميين وها هو اليوم يتطاول على الأمنيين بفرض ضيفه «الخارج عن القانون» ويتطاول على الشعب التونسي أيضا لأنه ليس من حق هذا الأخير أن يسمعنا قاموسا بذيئا..

لقد أردنا لتونس الجديدة برلمانا يليق بملحمة 14 جانفي 2011 رغم عدم اكتمالها، ولا نريد «سيركا» مع احترامنا للمبدعين في هذا الحقل الثقافي الإنساني بما أن السيرك من وسائل الترفيه القديمة والمحببة للصغار والكبار على حد سواء، وفيه فنانون وبهلوانيون ومهرجون وحيوانات مدربة ولاعبو أراجيح وموسيقيون ولاعبو خفة يمشون على الحبال ومشعوذون وغيرهم من ذوي المهارات الأدائية في حين أن البرلمان يسكنه نظريا مشرّعون يصوغون القوانين ويراقبون أداء الحكم ويحرسون الديمقراطية باسم الشعب وسيادة الشعب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.