قراءة في المجموعة القصصية “نصوص موبوءة”أو الوجه الآخر للواقع

0 139

بقلم: ريم القمري

سحبني القاص أيمن الرزقي بـ” نصوصه الموبوءة” نحو أجواء مختلفة تبدو في البداية متباينة و مختلفة من قصة الى اخرى… لكنك سرعان ما تندمج مع روح النصوص وأحداثها وتغرق في الاستمتاع واللذة نصوص تقتحمك وتحرك سواكن تفكيرك وتدفعك للتفكير بعد قراءة كل قصة في حقيقة معانيها ومقاصدها … انها نصوص غير بريئة وان بدت عكس ذلك. لا يمكن أن تقرأ هذه المجموعة دون أن ترغب في الكتابة عنها خاصة وأنها تشبه المرحلة الحالية التي نعيشها شبها كبيرا بل هي تعبير عنها واعادة كتابة لها أحيانا بشكل صريح ومباشر وأحيانا بضرب من التخييل حيث يمتزج الخيال بالواقع ويضفي عليه طابعا منطقيا وواقعيا. تعبر قصص أيمن أو تضع يدها على تلك المناطق الحساسة داخلنا وفي حياتنا اليومية تلك المرئية وغير المرئية منها وتخاطب وعينا وايضا لا وعينا وتدفعنا للتفكير والتأمل في الواقع من زوايا مختلفة. لكنها في الآن نفسه تعبر عن الحالة الجسدية والنفسية التي يعيشها الفرد اليوم في مجتمعنا والتي تضعه في قلب الدوامة والصراع بشكل مباشر. صراع سياسي واقتصادي يدفع ثمنه الفرد من حياته الشخصية طموحه واحلامه ورغباته أيضا.

وهو ما يجعل القارء قريبا جدا من أبطال هذه القصص فهم يشبهونه كثيرا بل ان القارء سيتماهى معهم ويذوب داخلهم لأنهم ببساطة شديدة يمثلون كل الارهاصات والمشاكل والهموم التي يعيشها القارء المواطن العادي اليوم. وتبدو للوهلة الاولى القصص ذات أحداث بسيطة وعادية لكن رمزيتها كبيرة وفيها الكثير من العمق. وهذه النوعية من النصوص، حين تمسك بك وتجذبك داخل نسيجها السردي ستحرك عقلك وتذهب به في منحى فلسفي عميق، وتجعلك تبحث عن رمزية كل نص وعن أبعاده الفلسفية الخفية. كتابة تستثمر الماضي وتتخيل المستقبل وقد تفرط في التخييل وتقدم لنا بالمقابل نصوصا راقية على مستوى اللغة والحبكة والسرد، لتمنحنا أثرا أدبيا ي يعكس الواقع المرير للمجتمع التونسي.

” نصوص موبوءة” الصادرة عن دار أبجديات للنشر والتوزيع سنة 2019، مجموعة قصصية في 98 صفحة ضمت بين جوانحها 14 أقصوصة يطرح أيمن الرزقي في هذه المجموعة مواقف ساخرة وطريفة عن الحياة والموت والحب والخيانة المرض. أغلب هذه المواقف الساخرة تنطلق من أحداث وقعت في تونس في السنوات الاخيرة وهي أحداث حقيقية أضاف عليها أيمن مسحة من الخيال المجنح وغير الواقعي أحيانا.

ينطلق في العديد من قصص هذه المجموعة من الواقع نحو الخيال لينتج قصص مختلفة صادمة أحيانا لكنها حمالة لعدة مضامين ناقدة للمجتمع وللواقع المعيش بصفة عامة. النقد الساخر من الواقع المرير، كوسيلة للتعبير تعتبر مدرسة ادبية قائمة الذات وهي الطريقة الامثل لتسليط الضوء على الكثير من سلبيات الواقع السياسي والاجتماعي في زمن الثورة وما بعدها. أعتقد أن هذا هو ما سعى الي ايصاله لنا أيمن عبر هذه المجموعة القصصية وهو يحاول من خلال أحداث قصصه المتخيلة نقل ما يعتمل في صدره وعقله بطريقة غير مباشرة حتى يتسنى له نقد الواقع بكل حرية.

فالكاتب في النهاية يعيش صراعا مريرا بين ذاته والواقع الذي يعيش فيه، صراع بين ذاته المنفصلة عن الواقع في عالمها الخاص وذاته المتصلة بالواقع تستلهم منه وتكتب عنه. اليس هذا هو دور الكاتب في الحقيقة؟ اعادة انتاج الواقع وصياغته فنيا وجماليا لنقده وتقويمه؟

وقد اعتمد الرزقي في كتابة قصصه على أسلوب السخرية والنقد الذكي الذي لا يدركها القارئ العادي بل يحتاج قارء شديد الذكاء والفطنة لأنها سخرية عميقة تحتاج إلى الانتباه الشديد والتفكير العميق فقد تبدو بعض القصص مجرد خيال مسلي مثل قصة ” أنفلونزا الذئاب ” أو بقية القصص الاخرى التي اتخذت لها مواضيع تبدو خيالية كثيرا كأن تحدد الدولة خبزة واحدة لكل مواطن أو في قصة أخرى قارورة ماء واحدة لكل مواطن كلها قصص تحمل داخلها معاني كبيرة وتكشف أمراض اجتماعية وسياسية متعفنة.

فاغلب القصص خضعت لملكة الابتكار والخيال التي أحسن الكاتب توظيفها خاصة إذا كان خياله خصبا جدا مثل أيمن. وبذلك نجح في أن ينقل مخيلة القارئ إلى العالم الذي تدور حوله أحداث هذه القصص وجعلهم ينغمسون فيها ويتعايشون مع أحداثها ويبدو هذا واضحا وجليا في أكثر من أقصوصة نذكر منها مثلا قصة ” لديه احتفال هذا المساء ” وهي قصة امتزج فيها الواقعي بالخيالي الا أن القارء عاش صراع البطل في نضاله من أجل الحصول على أكثر من رغيف خبز في دولة خصصت لكل مواطن رغيف خبز وحيد لينتهي على الرصيف مداسا تحت الاقدام خبزه الذي حصل عليه بالرشوة منهوبا تتخاطه الايادي.

في النهاية الكتابة مغامرة يخوضها الكاتب بوعي كامل ويحاول من خلالها محاكاة الواقع واعادة تشكيله من جديد قد لا يقدم حلولا سحرية واجابات جاهزة لكنه يسلط الضوء على اماكن الخلل ويعريها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.