رئيس الحكومة وضربات الجزاء الخمس الضائعة …

0 442

بقلم : رشيد الكرّاي

في آخر ظهور تلفزي لرئيس الحكومة أياما قليلة قبل عيد الفطر ، عدّد الياس الفخفاخ سبعة أولويات ستعمل عليها حكومته بعد زوال أزمة كورونا ، ثمّ أورد في كلمة له أمام موظّفي وأعوان القصبة لتبادل التهاني بمناسبة العيد أنّ أولى الإصلاحات التي سيشرع فيها هي رقمنة الإدارة التونسية على ضوء النتائج المشجّعة المسجّلة إبّان الجائحة .

والحقيقة أن الإصلاحات التي ذكرها رئيس الحكومة وليس أقلّها محاربة الفساد ، وعلى أهمّيتها ، لم تلمس الملفات المستعجلة التي تهرّبت من فتحها الحكومات المتعاقبة منذ الثورة ، والتي أعتبرها مفتاح كل إصلاح والمدخل الرئيسي لكل الإصلاحات المتفرّعة عنها ، وبدونها سيزداد الوضع سوءً وتتأزّم أكثر المالية العمومية والمديونية الداخلية والخارجية ، وتنغلق كل أبواب التنمية المنشودة وخاصة في المناطق المحرومة التي كانت مهد ثورة 14 جانفي .

أولى الملفّات التي وجب على الحكومة فتحها عاجلا ودون مزيد من التأخير ملف إصلاح المؤسسات العمومية التي يوشك بعضها على الانهيار التام ، كما هو حال الخطوط التونسية وشركة النقل الحديدي والفولاذ وشركة الشحن والترصيف والتبغ والوقيد وشركة عجين الحلفاء بالقصرين وغيرها . هذه المؤسسات باتت عبئا على الدولة بعد أن كانت لعقود مصدرا هاما لتمويل الخزينة العامة وأصبحت مرتعا لكل أنواع الفساد الإداري والنقابي بشكل بات من شبه المستحيل إصلاحها بهيكلتها الحالية سواء من حيث تضخّم العنصر البشري في زمن التكنولوجيات الحديثة أو من حيث التلاعب بمصاريفها أو من حيث تآكل مواردها المالية وعجزها على الاستثمار في تطوير أدائها وإنتاجها ومعدّاتها . والغريب أن الكثير من هذه المؤسسات تنتمي للقطاعات التنافسية التي تجعلها في ذيل ترتيب نظيراتها في القطاع الخاص مثل الإسمنت والحديد والتبغ والصناعات الدوائية وتجارتها وغيرها، ولا أمل في إصلاحها سوى بالتفويت فيها للقطاع الخاص وفق منظومة تراعي حقوق عمّالها وإطاراتها . ولئن يبقى قطاع النقل العمومي برّا وبحرا وجوّا من واجبات الدولة في بلد سائر نحو النمو كتونس ، فإن الواجب يقتضي إصلاح وضعية الشركات المفلسة بالتخفيض التدريجي لجيش العملة والإطارات بها ومزيد حوكمتها وتكثيف الرقابة المحاسبية والمالية على مواردها وعدم إفلات أي مقترف تلاعب أو فساد من العقاب مهما كان ، والتقيّد بالمواصفات الاقتصادية العالمية في تسيير هكذا مؤسسات بشكل تعود إلى مؤسسات مربحة وإن تعذّر ذلك تحقّق التوازن المنشود بين إيراداتها ومصاريفها وتزيل عبئها الثقيل على المال العام ودافعي الضرائب .

ثاني الملفّات التي وجب فتحها وإيجاد الحلول الملائمة لها هي ملف التعويض وصندوقه الذي باتت مصاريفه ترتفع من سنة إلى أخرى بفعل تدنّي قيمة الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية وتذهب أكثر من نصف اعتماداته إلى دعم المحروقات رغم انهيار أسعارها الأشهر الأخيرة بفعل أزمة كورونا . فلا يعقل بعد اليوم أن يذهب التعويض لغير مستحقّيه من المفقّرين وذوي الدخل المحدود وأصحاب الأجر الأدنى الصناعي والفلاحي المضمون ، ووجب اليوم المرور إلى حقيقة الأسعار للمواد المدعّمة كالخبز ومنتوجات العجين والحليب والسكر والشاي والزيت واستنباط صيغ مضبوطة لتمكين تلك الفئات من الدعم أو التعويض دون غيرها . أما في مجال المحروقات فوجب اليوم التشجيع على الاستثمار أكثر في الطاقات المتجددة غير الملوّثة وخاصة ثروة الطاقة الشمسية التي تزخر بها بلادنا وحصر الدّعم بعد ذلك إن وجب في الاستهلاك المنزلي دون سواه .

ثالث الملفّات التي يتوجّب معالجتها دون إبطاء لما لها من انعكاس على مستوى محاربة الفساد وتأصيل سياسة الحوكمة الرشيدة في إدارة المرفق العام ، هو ملف ما يُعبّر عنه باللغة الفرنسية قطار حياة الدولة ، فلا يعقل أن نتمادى في سياسة هدر المال العام والإنفاق على أسطول السيارات الإدارية التابعة للدولة بصنفيها الوظيفية والمصلحة والتي بلغ عددها حوالي التسعين ألف سيارة وما تستنزفه من مئات المليارات في شرائها ومحروقاتها وصيانتها ورواتب سوّاقها.

ومنطق التصرف في الملك العام يفرض اليوم على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة أن يكون استعمال السيارة الإدارية الوظيفية على علاقة مباشرة بالعمل وحصره فقط لدى بعض كبار إطارات الدولة ، وإلغاء هذا الامتياز عن جيش بعض المديرين العامين وكل المديرين وكواهي المديرين ورؤساء المصالح ، وتمكين هؤلاء إن أرادوا من شراء السيارات الموضوعة على ذمّتهم بصيغ مرنة .

أما سيارات المصالح فوجب حصرها في القطاعات التي تستوجب ذلك مثل الأسلاك الحاملة للسّلاح والفلاحة والصحة مع تشديد الرقابة على استعمالها وترشيدها . إلى ذلك توجب ضرورة إحكام التصرف في أملاك الدولة إعادة النظر في صيغ المساكن الوظيفية وحصرها فقط في كبار الإطارات ممن لا يملكون منزلا في مكان الوظيف مع إلغاء امتيازات استهلاك الماء والكهرباء ومجانية الاستعانة بعمّال خدمات والاكتفاء فيما عدى ذلك بمنحة سكن حسب طبيعة المسؤولية تضبط شروط إسنادها بقوانين أو أوامر واضحة .

رابع الملفّات الملحّة التي وجب استعجال معالجتها ملف إصلاح منظومتي التعليم بكل مراحله والصحة العمومية الذي كشفت جائحة كورونا هشاشته وتداعيه

لا يختلف اثنان اليوم أن منظومتنا التعليمية باتت اليوم خارج الزمن وعصر تكنولوجيا المعلومات وأنها أصبحت تفرّخ لنا كل سنة جيشا من العاطلين عن العمل من ذوي المستوى المحدود معرفيا وتكوينا في الاختصاص ، مسّ اليوم إطارات التدريس في المستويات الإعدادية والثانوية وحتى الجامعية ، مع ما يعنيه ذلك من انعكاس على تكوين التلاميذ والطلبة . وبات اليوم من الضروري إعادة النظر في التكوين على مستوى التمكن من اللغات بما فيها اللغة الأم واللغات الأجنبية والتوجه نحو ملاءمة التعليم والتكوين بمهارات المتعلّم ومتطلّبات سوق الشغل وإعادة الحياة جدّيا لمنظومة التكوين المهني . أما قطاع الصحة فوضعه يتحدث عن نفسه بنفسه ووجبت اليوم المسارعة بضبط احتياجاته البشرية واللوجيستية والبنية التحتية وتقريب الخدمات الصحيّة في الجهات المحرومة والمهمّشة وفرض عمل الأطبّاء الجدد مدّة خمس سنوات بها مع العمل على حسن التصرف في الموارد المالية والدوائية والضرب بقوة على أيدي العابثين من سماسرة الدواء والمحسوبية والزبونيّة .

أمّا الملف الخامس الذي يستوجب الوضع معالجته بكل سرعة فهو وضعيّة الصناديق الاجتماعية المفلسة تقريبا والتي تضخّ لها الدولة كل شهر عشرات ومئات المليارات للإيفاء بالتزاماتها رغم الشروع الباهت في الإصلاح بإقرار الترفيع في سنّ التقاعد ، وهو قرار قد يخفّف بعض الشيء من وطأة الوضع القائم الحالي لمدّة سنوات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة لينفجر من جديد بأكثر حدّة ، تصبح معها هذه الصناديق عاجزة كلّيا أو جزئيا عن تقديم خدماتها الصحية والاجتماعية لمنخرطيها وربّما خلاص رواتب متقاعديها الذين يزداد عددهم من سنة إلى أخرى

هذه هي الملفّات الخمس التي أرى أن على الحكومة الإسراع بفتحها ومعالجتها ، وفي غياب ذلك لا معنى لشعار رقمنة الإدارة ومحاربة البيروقراطية والتي هي نتيجة لإصلاح حقيقي في هذه الملفّات ، وبه تصبح مقاومة الفساد والحوكمة الرشيدة فعلا وممارسة على الأرض وإنجازا يرى المواطن آثاره ماثلة أمامه في ظلّ دولة مؤسسات يسري فيها القانون على الجميع ويلعب فيها القضاء دوره المستقلّ والكامل في محاربة شتّى أنواع التجاوزات والجرائم المرتكبة في حقّ المجموعة الوطنية والمال العام .

كان كلّ أملي أن يعلن رئيس الحكومة في ظهوره الإعلامي المتواتر وبكل شجاعة أنّه سيفتح هذه الملفّات دون خوف ووجل من أصحاب المصالح واللّوبيات ، ولو فعل لجمّع حوله أغلب أطياف المجتمع السياسي والمدني ولصحّ شعاره العزيز عليه الذي يرفعه منذ تقلّد مسؤوليات القصبة “الحوكمة والشفافية” ، لكنّ الواقع على الميدان يقول للأسف إن الياس الفخفاخ رغم سيطرته الميدانيّة أضاع هدف الفوز بل وأضاع ضربات الجزاء الخمس التي منحها له قانون اللّعبة ليفوز بالمقابلة واللّقب ويهديه بالتالي لمنافسيه وخصومه الكثيرين ، ومرّة أخرى تتبخّر آمال جماهيره من التونسيين والتونسيات في الفوز بلقب كان على مرمى حجر…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.