حكومة الفخفاخ أخطاء بالجملة أو جهل سياسي فادح

0 145

بقلم : ريم القمري

تتوالى أخطاء حكومة الفخفاخ تباعا، فلا تكاد تمر فترة وجيزة الا ونتفاجئ بأخطاء غير متوقعة، يرتكبها بعض الوزراء وتثير موجة من الاستياء الشديد لدى الطبقة السياسية والمواطنين على حد السواء. ولعل أخرها حادثة وزير الطاقة السيد منجي مرزوق الذي سافر الى باريس عشية العيد لقضاء اجازة العيد مع عائلته هناك بقي عالقا هناك بسبب الغاء رحلة العودة.

و قد شكل هذا الخبر الذي تلقفته وسائل الاعلام و انتشر على نطاق واسع في وسائل الاتصال الاجتماعي، صدمة حقيقية و فتح بابا واسعا للجدال و النقاش، حول مدى مشروعية سفر وزير في حكومة أكد رئيسها على ضرورة احترام الحجر الصحي بصرامة خلال أيام العيد، حيث وقع منع التنقلات بين المدن، و حرمت أغلب العائلات التونسية من فرحة العيد و اللقاء بالأهل، و في الوقت الذي امتثل فيه المواطن التونسي و احترم الإجراءات ، يقوم وزير في الحكومة نفسها بخرق الاجراءات و لا يحترم توصيات الحكومة و هو عضو فيها ، بدون مبرٍّر شرعي خارج و يسافر خارج تراب الوطن ويخرق كما أسلفنا إجراءات الحجر الصِّحِّي ومنع التَّنقُّل بين المدن، معللا تصرفه بحقه في قضاء العيد مع أسرته ، و كأنه المواطن التونسي الوحيد الذي قضى العيد بعيدا عن اسرته ، موضحا في تصريحاته حول هذا الموضوع أنه تحصل على الاذن بالسفر من قبل رئيس الحكومة نفسه الياس الفخفاخ .

خطأ سياسي فادح ترتكبه الحكومة يحملنا هذا للتفكير أننا لم نخرج من منطق الاستثناءات العقيمة، عندما يتعلق الامر بمسؤول رفيع المستوى، حيث يمكن خرق القانون دون أدنى شعور بالخوف أو الذنب، سياسة الكيل بمكيلين، فالقانون يطبق على أفراد ويعفى منه أفراد أخرون حين يتطلب الامر ذلك. وهذا مال يضرب بمصداقية الحكومة عرض الحائط، خاصة إذا ما عدنا لكلمة رئيس الحكومة عندما أكد على أن الجميع سواسية أمام القانون باستعماله العبارة الدارجة ” لا أحد على رأسه ريشة” لكن يبدو أن وزراء حكومته عندما يستدعي الامر يحملون تيجان من الريش فوق رؤوسهم.

ان رمزية ما قام به وزير الطاقة السيد منجي زروق، خطيرة وهامة بل هي مؤشر واضح على أن علوية القانون لا تطبق الا على المواطن العادي والذي لا يملك حصانة المركز المرموق والسلطة، ودليل أيضا على استمرار الطبقة السياسية عموما والحكومة خصوصا في استبلاه الشعب، فعندما يعلل سفر الوزير بانه سافر بصفته الشخصية لا بصفته كوزير، نكون هنا فعلا في قمة الاستبلاه والسخرية، لأننا نعلم جيدا انه لولا تقدمة بصفته كوزير لما سمح له بركوب طائرة اجلاء متوجهة الى باريس وكان من الاجدر في حالة الخطأ السياسي الفادح الذي تم ارتكابه، أن يتم الاعتراف به وامتلاك الشجاعة الكافية لتحمل تبعاته وليس البحث عن تبريرات عبثية ولا منطقية.

أخطاء بالجملة و الجدير بالذكر أن هذه الأخطاء تنضاف الى سلسلة أخرى من الاخطاء التي ارتكبها وزراء هذه الحكومة، على سبيل الذكر أزمة الثقة الَّتي تسبَّب فيها التَّصرُّف المنافي للإجراءات لوزير الصِّناعة في موضوع صفقة الكمَّامات المشبوهة، ووزير النَّقل واللوجستيك في موضوع حادث السَّيَّارة الَّتي وضعت على ذمَّة تصرُّفه العائلي والسَّكن الوظيفي الَذي يتسوَّغه على غير وجه حق، والتَّصريحات الكارثيَّة لوزير الدّفاع حول الشَّقيقة ليبيا، والخروج غير الموفَق للوزيرة المعتمدة لدى رئيس الحكومة المكلَّفة بالمشاريع الكبرى وفرضها على ملف إدارة الحجر الموجه بسبب جائحة فيروس كورونا بعيدا عن مشمولات وزارتها وعن الإدارة اليوميَّة للجائحة، وزلَّات لسان وزير التِّجارة حول قرصنة وهميَّة أجنبيَّة لمنتوجات صيدلانيَّة موجَّهة لتونس، والتَّبريرات غير الموفَّقة والمستفزَّة للوزير لدى رئيس الحكومة المكلَّف بمكافحة الفساد في موضوع صفقة الكمَّامات المشبوهة، والأخطاء الاتِّصاليَّة المتواترة لرئيس الحكومة. مما يدفعنا للحديث عن أخطاء بالجملة.

أخطاء يتم فيها تجاوز القانون و تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة ، الكثير من الغموض و الالتباس ، و بالمقابل رغم انكشاف كل هذه الاخطاء و ما يترتب عن ذلك من استياء و ردود أفعال قوية ، من الطبقة السياسية و المعارضة و المجتمع المدني و المواطنين، الا أنه يتم تجاوزها و التغاضي عن معاقبة مرتكبيها ، و بعد ان تسيل حبر كثيرا في الصحافة المكتوبة و حوارات ساخنة في الصحافة المسموعة و المرئية ، و تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي لأيام ، تخبو و يتوقف الحديث عنها و تصبح ذكرى ،دون ان يتم أخذ أي اجراءات قانونية مثل اقالة مرتكبيها كحد أدنى. أي أنها باختصار شديد تمر بدون أيَّة مسائلة أو إقالة أو استقالة أو حتَّى لفت نظر ولا حتَّى اعتذار لائق ومقنع.

للتذكير فان الياس الفخفاخ قام بتشكيل هذه الحكومة بعد شهر من تكليفه بذلك من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد، بعد رفض البرلمان، في 10 فيفري الماضي، منح الثقة لتشكيلة حكومة الحبيب الجملي، مرشح حركة النهضة التي تصدرت نتائج الانتخابات التشريعية في 6 أكتوبر الماضي. وقد استغرق الفخفاخ كل هذا الوقت في ماراثون من المشاورات شابه خلافات حينا وتجاذبات حينا آخر، لتفرز حكومة تضم 30 وزيرا وكاتبي دولة (2)، منهم 16 عضوا منتمين للأحزاب و14 مستقلا، أما كاتبي الدولة فهما مستقلين.

وهو ما يجعلنا نتساءل هل فعلا هذه الحكومة الحالية هي كما تعهد الفخفاخ في بداية تكليفه بتشكيلها حين قال سيعمل على “تشكيل حكومة سياسية مُصغّرة ومنسجمة، من أجل تحقيق أكبر قدر من النجاعة والفاعلية، تضم كفاءات، وفيها تمثيل حقيقي للمرأة والشباب وتستوعب دقة وخصائص المرحلة، ولا يتجاوز أعضاؤها 25 عضوا”؟ أم أننا أمام حكومة ينتمي أعضاؤها الى أحزابهم أكثر من انتمائهم للدولة؟ وبتالي هدفهم خدمة مصالح احزاب اولا وقبل مصلحة الدولة؟ ان الحكومة الحالية، بهذه الأخطاء المتكررة، تكون بصدد تبديد رصيد الثَّقة الَّذي وهبه لها الشعب، وتبرهن في كل مرة عن ضعفها ومحدودية امكانياتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.