كورونا وانسانينا المحاصرة

0 85

بقلم : باسل ترجمان

لم يتوقع احد ان يصل انتشار فايروس كورونا لهذه الدرجة من الحصار المجتمعي والانساني، في ظل خوف تجاوز في كثير من اللحظات حدوده ليصل مراحل الرعب من تفشي هذا الوباء في زوايا حياتنا اليومية. الخوف طال ابسط نواحي انسانيتنا والانكفاء صار سمة تميز علاقتنا بالجميع ممن اعتبرناهم واعتبرونا اخوة واصدقاء زملاء ورفاق درب، وصار الحديث في وسائل الاتصال الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي مربكاً وكأن الخوف من انتقال العدوى تحول من خطر على أرض الواقع إلى وهم افتراضي يمكن ان يصيبنا في كل لحظة.

العالم الذي كان قرية صغيرة عادت فيه المسافات لتبتعد وتسترجع مكانتها التي فقدتها مع تطور وسائل النقل والسفر الذي تحول لحكاية شبه روتينية للكثيرين صار مع اغلاق الحدود والمطارات والموانئ اشبه بالحلم حتى المسافات القصيرة التي كنا نقطعها بكل سهولة بين المدن صارت صعبة، وعاد البعد ليكون حقيقة نسيناها مع التطور الذي نعيشه في مجتمعاتنا بكل يسر. كورونا تجربة قاسية عرت الكثير من خوفنا على انفسنا دون ان نأخذ ولو القليل مما تعلمناه عن معاني التآزر والتضامن فالكل يسعى للهروب من المرض والموت، والقلق من القادم دفع بالكثيرين للقبول بحالة الحصار الذاتي لأنفسهم دون اهتمام بالأخر مهما كان شكل وطبيعة العلاقة معه بعيداً عن قليل من الاستثناءات الانسانية التي لا مفر منها.

غابت كل القضايا والاهتمامات امام الخوف من القادم وتلاشت معاني العداء او الصداقة وبقيت رغبة البقاء تتصدر مشاهد البحث عن فرص العيش للغد تهيمن على عقولنا فقط. الجانب المتوحش في الانسان ظهر في الكثير من تصرفاته في العالم اجمع والبحث عن الاغذية وتكديسها لم يعد هماً للفقراء فقط بل تقاسمت كل شعوب العالم بغض النظر عن مستوياتها الحضارية هذه اللهفة وجنون الشراءات، وكأن العقل البشري صار مقتنعاً بقرب النهاية ويحاول الفرار منفرداً من قدر لا مفر منه.

نحاول التأقلم بين الخوف المسيطر على عقولنا من القادم المجهول، والحفاظ على حد ادنى من انسانيتنا في انتظار ان يتلاشى او يتفاقم هجوم الفايروس المحمل بالموت الذي لا يميز بين القريب والبعيد، الكل مرتبك في انتظار المجهول، والعالم يتطلع للعلم كمنقذ وحيد من هذا الوباء، في لحظة سقطت فيها سلطة من يعدون الناس بأن تكون الجنة مثواهم إن اتبعوا سبل الهدى وعمل الصالحات.

بين العلم والوهم انقسم الانسان هارباً إلى الأمل الذي يمكن ان يحمله العلماء لمواجهة الفايروس وسقطت ادعاءات من يعتبرون ان الأديان هي المنقذة لهم من المصير المحتوم، العلاقة بين الانسان وخالقه عادت لتكون مباشرة وقوية بعيدة عن الواسطة والوسطاء مما افقد هؤلاء التأثير والقدرة على تقديم انفسهم كمنقذين من الوباء بعد ان قدموا انفسهم على امتداد الزمن كمنقذين من الضلال.

هذا السقوط عرى حقيقة ان هؤلاء ليس لهم دور في علاقة الانسان بخالقه، ومحاولتهم تصدر المشهد بأن هم الواسطة والسبيل الى طريق الهداية تعرت بفشلهم في توحيد رؤيتهم ونبذ خلافاتهم لحماية حياة الانسان بدل ادخالها في سوق المناكفة بينهم.

انسانيتنا التي اهتزت اركانها وبان وجه بعيدً عن الحقيقة التي كنا نسعى لتجميلها وتقديمها بأنها عنوان الحضارة، تحتاج منا ان نتوقف أمام ما عشناه وسنعيشه في الفترة القادمة لنتعلم بعض الدروس بأن الكثير مما اعتقدنا انه مثال للتطور الحضاري انهار مع هجوم كورونا والوجه الحقيقي للإنسان الذي يحمل جينات العنف يحتاج لقراءة اكثر عمقاً حتى لا يعود مرة اخرى لصناعة التوحش.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.