كورونا العقول أخطر وأفتك …

0 465

 

بقلم : رشيد الكرّاي

 

للتونسي عداء دفين لكل ما هو مشترك وعام ، وسلوكه العدائي هذا يعبّر عنه في كل مظاهر الحياة العامّة من شارع ووسائل نقل عمومية وفضاءات مشتركة وعامّة ، بل حتّى في الظروف الاستثنائية أثناء الكوارث الطبيعية والجوائح الصحّية مثلما يحصل هذه الأيام مع فيروس كورونا . ويذهب بظنّ التونسي أنه بتخريب الملك العام والتعدّي على الفضاءات المشتركة وعدم احترام الآخر ، يعاقب صاحب السلطة والقرار أو كما يسمّيه “الحاكم” الذي يحمل اتجاهه كرها دفينا مهما كانت هوّيته السياسية ومهما كان فعله صالحا أو فاسدا .

في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمرّ به بلادنا وكل دول العالم تقريبا بسبب انتشار الوباء المستجد ، لا يجد التونسي ضررا من أن يسرق أو يخرّب تلك التجهيزات ومواد التنظيف التي وفّرها بلدية العاصمة في بعض الأماكن والشوارع المتكتظّة ، ظنّا منه بأنّه غنم مكسبا مجانيّا لاستعماله الشخصي متناسيا أنّ الآخر الذي حرمه من غسل يديه أو تعقيمهما قد يتسبّب في نقل العدوى إليه وربّما هلاكه .

إنّها ثقافة الأنا المرضيّة التي يترجم عنها ذلك المثل الشعبي السمج “أخطى راسي واضرب” التي تنفي الآخر وتنسف كل أسس ومظاهر العيش المشترك ومقولة الإنسان اجتماعي بطبعه .

مقابل هذه الثقافة والعقلية المرضية والتي تلتصق بالضرورة بكل المجتمعات المتخلّفة ، لنرَ مثلا ماذا يقول أحد اليابانيين عن بلاده في كليب صغير عنوانه “أفضل ما فى اليابان” .

يقول هذا المواطن الياباني ، اليابان مدهشة لعدة أسباب ، ولكنّ السبب الأهم بالنسبة لي ، بوسعنا أن نُلخّصه فى الكلمتين الآتيتين “الوعى بالآخر” . فى اليابان يتصرف الناسُ وهم يحملون الآخرين في عقولهم ، بدلا من التفكير فقط في أنفسهم . ولنأخذ مثالا بسيطًا على ذلك . حال الناس وهم يهبطون أو يصعدون على السلم الكهربائي. فى البلاد الأخرى ، يمكن أن نرى علامات وإشارات على الناس أن يتّبعوها حتى يحفظوا النظام ، ومع هذا ستجد من بينهم من لا يحترم العلامات. أما في اليابان فستجد كلَّ إنسان يسلك السلوك الصحيح أوتوماتيكيًّا، حتى يستطيع كل شخص الصعود والهبوط بمنتهى اليسر. كذلك يفعل الياباني في كل شيء يستخدمه خلال يومه حتى تَسهُل الحياة على كل إنسان آخر.

بوسعك النوم فى مترو مزدحم ، لأن الآخرين هادئون لا يثرثرون أو ينثرون الضوضاء من حولك . فى اليابان تستطيع أن تستمتع بالشوارع النظيفة ، لأن الناس لا يلوّثون الأماكن أو يلقون بمخلّفاتهم فى الطرقات.

في اليابان بوسعك أن تشعر بأنك ملك ، لأن الناس سيقدمون لك الخدمات مع ابتسامة وانحناءة . ثقافة الاحترام تخلق حالة غير معقولة من أجواء الأمان من حولك ، تلك التى تؤدي إلى معجزات اليوم الحديثة.

في مقهى مزدحم فى اليابان، بوسعك أن تترك هاتفك أو حاسوبك على الطاولة ، ولن تجد من يسرقه. بوسعك أن تترك درّاجتك بالخارج دون قفل يربطها ، وسوف تجدها فى ذات المكان حين تعود إليها. فقط فى اليابان سترى أشياء لن تراها في أي مكان فى العالم . ستجد موتوسيكلات واقفة على الرصيف ، ومفتاح تشغيلها فى مكانه والموتور دائر جاهز للسير، ولا أحد يفكّر فى أن يستغل الفرصة ويسرقها .

حينما تُنشئ مجتمعًا الناس فيه تفكر بالآخرين، ستكون الحياة أفضل لكل الناس. إنه الدرس الذى يجب على كل العالم أن يتعلموه من اليابان : احترام الآخر.

انتهى الفيديو المصوَّر الذى نشره أحد اليابانيين على أحد مواقع التواصل الاجتماعي وتناقلته وسائل الإعلام . احترام الآخر هو الأمر المدهش فى اليابان ، والذي لمسه كلّ من أسعده زمانه بالسفر إلى ذلك البلد السعيد . المواطن الياباني حريص كل الحرص على راحة وأمان وسلامة ورفاهية الآخر. الياباني يعرف حقوق الآخر عليه ، ويُقدّم تلك الحقوق عن طيب خاطر قبل أن يطالب بحقوقه هو ، وذلك قمة الذكاء ، لأنه حين يقدم واجبات الآخرين ، فإنه فى نفس اللحظة يضمن حقه الشخصي ، لأن الآخر سوف يؤمّن له واجبه ، أي حقه. الحقُّ والواجب أصبحا معًا واحدًا صحيحًا لا تنفصم عراه ، وليسا فعلين متلازمين أو منفصلين يتمّان معًا أو يختلفان أو يفترقان.

هذا السلوك والفكر الراقيين لدى المواطن الياباني يمكن تلخيصهما في كلمة واحدة فقط الأخلاق . هذا شعبٌ يتعلم الأخلاق في طفولته قبل تعلّم المشي والكلام والقراءة والكتابة . الأخلاق هي متلازمة الحضارة والتحضّر والرقي والمجتمع النظيف السوي . الأخلاق هي فنّ مراقبة الآخر، وهي ليست مراقبة الآخر كما نفعل عندنا، أن نقتحم خصوصياته فننتقد ما يلبس وندسّ أنوفنا فى حياته الشخصية ، لنسأل عمّن يُصاحب وكم يتقاضى من راتب ، وكم ورث عن أبيه وكم أنفق فى السفر، وكم مرة حجّ وصلّى وصام وشرب الخمر! إنما مراقبة الآخر تعني فى الأدبيات اليابانية العمل على راحة الآخر والاجتهاد فى تكريس شعور الآخر بالأمن والراحة . هذا شعبٌ يستحق الحياة ، هذا شعب لن تغلبه الكورونا ولا أي وباء أو مرض مستجد أو قديم ، هذا شعب ستقول له الملائكةُ يوم الحساب أحسنتم صنعًا فى الدنيا …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.