فيروز: الحبُّ يُحبّكِ

0 26

 

بقلم : عماد موسى

لا مناسبة للكتابة عن فيروز، لا أغنية مستعادة بتوزيع عصري لتقويمها، لا نزاع على حقوق أغنيات لاتخاذ موقف، لا قضية رحبانية مثيرة للجدل، لا مصالحة، لا إطلالة خاصة، لا جمعة عظيمة عند الكاثوليك ولا سبت نور عند الأرثوذكس.

الحافز الأقوى الذي يدفع من هم مثلنا للكتابة عن فيروز، هو تلك الرغبة الملحة في الفرار من قبضة الغباء الممسكة بأعناقنا وحاضرنا وغدنا إلى حب يغرقنا، يفرحنا، يقتلنا، يولِدنا عطراً وانتظاراً، نهرب من القهر اليومي المتمادي إلى الشعر المُغنى بصوت لا يتكرر، نهرب من الطرقات المقفلة إلى شوارع مضاءة بالحكايا. نهرب من تلك العتمة الكالحة إلى سهر “على حدود البكي”، نهرب من الخوف إلى خوف لذيذ كالإشتياق المتكرر بين اللحظة والبرهة. وها هو

أنا خوفي من عتم الليل والليل حرامي

يا حبيبي تعا قبل الليل ويا عيني لا تنامي

لا عيد ميلاد السيدة نهاد حداد على الباب، أو وراءه مباشرة، كي نكتب لها شاكرين من أرسلها إلينا في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي، ومن أرسل عاصي إليها… ليتزوجها ويتوّجها (ومنصور) ملكة على أحلامنا ومالكة لفرحنا غير القابل للتفسير، نحن فاقدي تواريخ ميلادنا وعناصر النضوج وخمائر المعرفة. نحن الذين أوقفنا سقوط أوراق العمر ولم نكبر نكاية بمن شاء لنا آخرة صالحة.

سألونا وين كنتو

ليش ما كبرتوا إنتو

منقلن نسينا

واللي نادى الناس

تيكبروا الناس

راح ونسي ينادينا

لا عمل جديداً لفيروز لنقده. ولا حاجة لتضيف إيقونة لبنان إلى رصيدها جملة غنائية واحدة. ما غنّته أغنانا، سكن خلايانا وحناجرنا غير الملائكية، لا بل جعل لحبنا مسكناً ومزاراً ومنحنا نحن الهاربين من كلمات كل يوم، شعراً وخبزاً ومعنى نعيد اكتشافه في الحب الأول وفي الحب الأخير.

كل يوم نختنق أكثر. فنصرخ بملء هواء الرئتين “من كتر ما ناديتك وسع المدى”.

كل يوم نحتاج إلى صوت فيروز قارباً للهروب من هذا البلد اللعين والجميل، الظالم والمظلوم، السيئ السمعة والمعطر بياسمين العاشقات. نحتاج إلى صوت فيروز لننسى من نحن ولنتذكر من كنّا.

لا مناسبة للكتابة عن فيروز. لا سبب مباشراً أو غير مباشر. نكتب، ربما، للإنتقام من سارقي أحلامنا وتعب آبائنا، ومستقبل أولادنا. نكتب لنهرب ونهرب في سفر مع الصوت الأصفى من ماء الورد، ومواعيد الإقلاع: كل صباح حب.

الحب يحبك أيتها السيدة التي لا تعرف ماذا فعلت بنا. أو تعرف ولا تبوح.

المصدر : نداء الوطن 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.