الاحترام ضروري

0 34

بقلم :  عبد اللطيف الفراتي

شيء من التواضع ؟؟ ما من شك في أن يوم 10 جانفي سيكتب بحروف ساطعة ، في المستقبل ، بعد أن سقطت حكومة النهضة التي أوكل تشكيلها “للمسكين” الحبيب الجملي ، فلم يكن لا في العير ولا في النفير ، وبعد حجب البرلمان الثقة عنها ، وهو أمر كان متوقعا من أكثر من أسبوع ، للمرء أن يقف أمام ثلاث حقائق في محاولة لفهم مستقبل الوضع السياسي في البلاد: أولها أن المخزون الانتخابي للنهضة هو ما بين 20 و25 في المائة من الناخبين ، ولعله مرشح للتناقص بعد هذه النكسة.

ثانيها : أن النهضة بمثل هذه النسبة أو أقل وب 20 في المائة من نواب البرلمان ، اعتبرت نفسها وكأنها فائزة بأغلبية تمكنها من الحكم ، ولو بصورة مواربة ، فاعتمدت نتيجة مزايدة في غير محلها ، يقال إن الأستاذ راشد الغنوشي وهو داهية ، انجر لها رغم أنفه.

ثالثا أن اختياراتها لتشكيل الحكومة لم تكن صائبة من البداية إلى النهاية ، كما تنبأ بذلك أمينها العام السابق والمستقيل زياد العذاري ، الذي لعله تفطن من البداية للفخ الذي نصبه صقور النهضة للنهضة . كل هذا لا يبرر من وجهة نظري ، تلك الفرحة العارمة التي أصابت الجناح المسمى بالوسطي على اختلافات ظلاله ( ses nuances ) ،

وحتى إذا برر القائمون عليه فرحتهم ، فإنهم لا بد أن يلزموا شيئا من التواضع ، فلا ينجروا إلى ردود أفعال غير عقلانية ، من شأنها أن تحاول وضع الإسلاميين في الركن أو اعتبارهم قوة بل وزن ، التحاقا بموقف عبير موسي الممعنة في نفي وجود الاسلاميين ، فلا بد من القول إن لهم وجود في المجتمع ، ليس بالقوة التي حاولوا أن يظهروا بها منذ 2011 ، أو أن يستغلوها في توجهات معاكسة لطبيعة مدنية المجتمع ، الموروثة عن عصر الأنوار ، الذي انطلق من محمد علي في مصر في بدايات القرن التاسع عشر ، ووجد قدما راسخة منذ تولي المشير أحمد باي السلطة سنة 1837 ، ومنذ تولي خير الدين باشا الوزارة الكبرى ، ثم توالي المصلحين من قاسم أمين وكتابيه عن تحرير المرأة سنة 1890 إلى الطاهر الحداد وكتابه إمرأتنا في الشريعة والمجتمع إلى بورقيبة .

هذا الرسوخ الذي حاول الاسلاميون التنكر له منذ قيام حركتهم في تونس ، في أواخر الستينيات مستلهمين فكرهم من الوهابية وإخوان مصر ، ولم يعودوا للواقع نسبيا إلا بعد الاصطدام به سنة 2013 ، فانقادوا إلى نوع من التراجع اعتبروه تكتيكيا ، ولكن الذي فرض نفسه عليهم ف، ي دستور يعتبر أن ركيزته الرئيسية هي القيم الكونية ، وإن كانوا ما زالوا يشككون لليوم في ذلك. في السياسة ليست هناك نكسة دائمة ولا انتصار دائم ، بل هي تقوم على تنسيب الأشياء ، ومن هنا وجب على من يعتقدون اليوم أنهم حققوا نصرا مساء 10 جانفي أن يتواضعوا شيئا ما ، ولا يدفعوا بمنافسيهم الاسلاميين لحصار في الزاوية، بل أن يساعدوهم على الاندماج في الحركة السياسية لمجتمع مدني ، وهو ما يمنع عنهم التطرف ، ويبرز من بينهم العقلايين المؤمنين حقا بطبيعة المجتمع المدني ، وما يستوجبه من تسامح. ثم إنه لا بد من أن يسود شعور النسبية ، فليس معروفا إلى ما ستؤدي إليه ، عملية اختيار رئيس حكومة مكلف جديد ، من طرف رئيس جمهورية يبدو على غاية السرية في تحركاته ، وما إذا كان رئيس الحكومة المكلف الجديد سينال ثقة البرلمان ، وإلا في حالة حجب الثقة إلى أين سيكون المسار ، بعد انتخابات سابقة لأوانها لا أحد يستطيع أن يتنبأ ، بنتائجها وتبعات تلك النتائج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.