هم لا يكذبون فقط ، بل يحترفون الكذب بصدق …

0 661

بقلم : رشيد الكرّاي

إذا كانت السياسة كما يصطلح على تعريفها بأنها فنّ الممكن ، فهي تستوعب إذا قول الحقيقة ، ولكن بعض الكذب ، وفي أغلب الأحيان الكثير منه ، لكن كما يقول المثل العربي ، ما زاد عن الحدّ انقلب إلى الضدّ ، فإذا تحوّل الكذب إلى قاعدة والحقيقة إلى استثناء ، فهذا يعني أنّنا إزاء وضع مرضيّ معقّد سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات ، نتائجه ستكون كارثيّة على الكاذب ومحيطه .

صحيح أن الدنيا تعج بالأكاذيب ، ولا سيما في عالم السياسة ، فلا أحد يعرف الكذب من الحقيقة ، وكم من الناس عاشوا في عوالم الأوهام ليكتشفوا بعد سنوات أن السياسيين قد لعبوا بهم ، ليتسنّى تمرير أشياء كان من المستحيل تمريرها لو عولجت في وضح النهار !

الكل يبحث عن الحقيقة ويتوخاها ، لكن الحقيقة تبقى عصية على الجميع ، حتى إن بدت ساطعة وواضحة ، فإن جوانبَ منها تبقى خفية ، وكثيرا ما يصدق فيها القول بأنها ذات وجهين  .

الحقيقة هي المعلومة ، والمعلومة هي عماد القرار، فالقرار السليم يتم بناؤه على قاعدة المعلومة السليمة ، ولذلك صار مجال البحث عن المعلومة هدف أجهزة حسّاسة كالأجهزة الأمنية ، كما أصبح هدفا من أهداف الصحافة بكل أنواعها ، والباحثين باختلاف مشاربهم ، وأصحاب التخطيط والرؤية الاستراتيجية تجاه المستقبل .

ومع كل التطور في مجال البحث عن الحقيقة ، بقي الكذب ساطعا ليلا نهارا ، بل ويزداد سطوعا في الحياة العامة التي يتشاركها الناس ، ليصبح ما يتم إعلانه على الملأ ، محلا للشك في كل تفاصيله ، إلى أن يثبت العكس !

أحد معارفي أصفه دائما بأنّه من جماعة مسيلمة الكذّاب ، فهو يكذب دون سبب ظاهر، رغم أن الكذب لا يكون دون سبب ، بل تقف وراءه أغراض ظاهرة أو خفية ، لكن الرجل حيّر الجميع ، فهو يكذب في كل شيء ، فإذا كان قادما من المستشفى ، قال إنه أتى من صالة أفراح ، وإذا حضر مباراة لكرة القدم ، لا يتورّع عن القول إنه كان في جنازة أحد معارفه  !لسوء حظ الرجل ، أنه بات معروفا بصواريخه العابرة للحدود والقارّات ، فلم يعد أحد يصدقه ، شأنه شأن راعي الغنم في تلك القصّة التي قرأناها في الصّغر ، الذي كان يردد كاذبا ، هَجَمَ الذئب هجم الذئب ، ليهجم الذئب لاحقا بالفعل ، ويروح صاحبنا فريسة بين فكي الوحش المفترس  !

وإذا كان الكاذب على مستوى الأفراد ، يقع غالبا ضحيّة كذبه ، فإن الكذب على صعيد المجتمعات يلحق الضرر والأذى بهذه المجتمعات قبل فاعل الكذب نفسه ، خاصة لمّا يحترف هذا الفاعل الكذب وسيلة لنيل مبتغاه وطريقا لقضاء حاجاته المشروعة منها والدنيئة .

ولنا اليوم في حركة النهضة في بلدنا تونس عنوانا بارزا في احتراف الكذب نهجا لممارسة السياسة اء ، وبأساليب وطرق شيطانية يحمل المرء على التساؤل : من أين لهم هذه القدرة العجيبة على الكذب وقلب الحقائق وطمس المكشوف وقول الشيء ليلا وضدّه نهارا ، والإتيان بأفعال من قبيل المثل العربي الشهير : يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي .

لست هنا في معرض استعراض أكاذيب النهضة وقادتها منذ يوم ” أقبل البدر علينا ” والمتواصل مع مسلسل تشكيل الحكومة الجديدة ، وخطابها المضحك عن التنازلات والتضحيات من أجل مصلحة تونس وقبولها بالتصويت لحكومة من كلّفته بتشكيلها مكرهة ، لست في هذا الموضع لكن ومن فرط ما أسمع من أكاذيب  الجماعة ، أطرح التساؤل التالي : هل يمكن أن يتحوّل الكذب لدى هذه الجماعة لمهارة واحتراف ؟ الجواب للأسف بنعم على الأقل من وجهة نظر دراسة عملية أشرفت عليها إحدى الجامعات الأميركية ، والتي أكدت أن باحثيها أجروا دراسة أظهرت أن احتراف الكذب ممكن من خلال الممارسة.

وأجرى الباحثون دراستهم على مجموعة من الأشخاص ، لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم التدرب لجعل كذبتهم أكثر تلقائية ، ويتفادون بالتالي الإشارات التي تفضح خدعتهم. وقال الباحث الأساسي في الدراسة ، لقد وجدنا أن الكذب مطواع ، ويمكن تغييره من خلال الممارسة .

وبالعودة لحركة النهضة ، يتّضح أنها تتعاطى أخطر أنواع الكذب ، والتي يمكن انطلاؤها على الناس بسهولة ، وهي تلك التي تقوم على جزء من الحقيقة ، وهو ما يحدث عادة في الحروب والنزاعات وغيرها ، فالناس يمكن أن يموتوا جراء تلك النزاعات ، وتبقى البيانات المتضاربة لتوزع الأكاذيب استنادا للواقعة الحقيقية ، فيصبح البطل هو المجرم في وجهة نظر أخرى ، ويصبح الشهيد مجرد قتيل ضمن البيانات التي يعلنها الخصم .

لا أعرف إن كانت هناك أكاديميات سرّية لتعليم الكذب ، وإن وجدت فالثابت أن طلاّبها الأوائل ، هم من الإخوان بمختلف تسمياتهم ، لكن ما أعرفه أن محترفي الكذب في ازدياد ، وأنّ الحقيقة في بلدي أصبحت لاجئة تبحث عن وطن ، لتعبّر عن نفسها فيه …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.