من المستنقع  يعطون دروساً في الفضيلة …

0 334

بقلم : رشيد الكرّاي

يوما بعد يوم تخسر حركة النهضة الكثير من أوراق لعبها ولم يعد لها مساحة واسعة للتحرك والانتشار ، لقد فقدت الكثير من زخمها وقال زعماؤها كل ما لديهم ، وألقوا بأوراقهم كلها في مراهنة على تغيير الواقع الانتخابي ولفت الانتباه والنتيجة لا بكاء ينفع ولا شكوى تفيد لأن ما بُني على باطل فهو باطل .

الادّعاء بأنهم لم يحكموا طيلة السنوات الثمانية الأخيرة هذه كما زعم رئيسهم، وأنهم غير مسؤولين عن حصيلتهم الكارثية هو بااااااااااطل ، وإنْ حاولوا تزيين وتسويق حكم التوافق مع النداء ورئيسه الراحل الباجي قايد السبسي ، على أنه آخر الداء الكي وأنه الحل الأخير للخروج من أزمات البلاد المتراكمة هو الباطل بعينه ، ولكنهم لا يستطيعون الإقرار بأنّهم أساؤوا التقدير والقراءة المتأنية فللتاريخ شهوده وصانعوه ، وأنّ من تضرّر من حكم التوافق هذا هو النداء وما تفرّع عنه من حوانيت حزبية .

لقد زيّنت لهم الأوضاع وقتها ، أن هذا الطريق هو الطريق المستقيم الذي سيوصلهم لجنّة الحكم دون الظهور في الواجهة ، ومشوا هذا الدرب مسيّرين وليس مخيّرين ، فماذا كانت المحصّلة لا شيء تغيّر، لا استقرار الحكم تحقق ولا مشاكل البلاد حُلّت ولا هم يحزنون ، بل استغل البعض تعب وشقاء الكثير من التونسيين ودخلوا من أبواب مآسيهم المشرّعة ليفرضوا أنفسهم رقما انتخابيا مشوّها ، مع أن الكل يبحث عن مصلحة له ولعشيرته وعن تصفية حساباته الشخصية مستفيدا من الوضع ومختصرا على نفسه خطوات كثيرة .

إنها المكابرة والنرجسية حين تبلغ مداها تقتل صاحبها ، وحينما تمتزج بالمنفعة تنتهي إلى اغتيال الفضيلة في السياسة والإعلام.. إنها لعمري جوهر المعضلة التي يتخبط فيها من استباح المشترك الدين ليجعله أصلا تجاريا في خدمة ما لا يليق بالدين نفسه وبالسياسة .

ما حدث ويحدث في هذه الأجواء القاتمة من الحملة الانتخابية من هستيريا تصريحات زعماء إخوان النهضة وآخرها ما أتحفنا به رئيس كتلتها بالبرلمان الحالي نور الدين البحيري ، هو حلقة من الحلقات الطويلة للإخوان مع الكذب وصناعته وتجميله وترويجه ، وهو فصل من فصول الإفلاس السياسي الذي تتخبّط فيه الحركة ويقف على حقيقته غالبية التونسيين وقد انكشفت أمام أعينهم خدعة وزيف شعار “الناس اللّي هاربة لربّي” ، وقدرتهم الخارقة على التضليل .

التضليل كان ولا يزال لدى الجماعة طقسا يوميا يُمارس كنوع من التقية (حيث يُضطر المرء لإظهار خلاف ما يبطن إذا استشعر خطراً يتهدد حياته أو عرضه أو ماله) ، ولكنه تحوّل إلى عادة وسياسة ثابتة بعد أن تمكنّت الجماعة من القفز إلى سدة حكم البلاد عقب نجاحها في ركوب الثورة واختطافها بمساعدة بعض الأنظمة النفطية والإقليمية ورعاية الأمريكيين. هنا سقطت كل الأقنعة التي كان يتخفّى وراءها قادة الجماعة وكوادرها، وكشفت عن وجه قبيح مراوغ طالما أخفته تحت شعارات المشاركة والتعايش والتوافق والحوار الوطني وقبول الآخر المختلف في الفكر والعقيدة .

وما لا يعرفه الكثير من عامة الشعب وحتى من نخبته ، أنّ لدى تنظيم الإخوان المسلمين وحركة النهضة “التونسية” هي إحدى تفريعاته ، فقه يسمونه فقه التبرير يبيح لهم الكذب على غير الإخوان متصوّرين أنهم بكذبهم يقيمون شرع ألله ، وحين يعتدون على شخص ليس من الإخوان ، يعتبرون ما يفعله الإخواني جهادا ، والمجاهد يُباح له ما لا يُباح للآخرين والتزوير لديهم مقبول ومطلوب طالما أن الغاية هو تمكين الجماعة.. باختصار كل شيء مباح طالما فيه مصلحة الجماعة ، الحرام والممنوع هو فقط ما يمثل عقبة لتحقيق أهداف الجماعة … والجماعة اليوم تقول إنها تريد الرجوع إلى معدن الثورة ، وإنها لن تتحالف إلاّ مع قواها ورموزها الثورية جدااااااا التي أشاعت أجواء العنف والفوضى  باسم القطيعة مع الماضي ورجال حكم النظام المُطاح به ، وهذا يعني أننا مقبلون على استنساخ تجربة حكم الترويكا وإرجاع الدولة إلى دولة الهواة كما كتب أستاذ علم الاجتماع الدكتور فتحي ليسير في كتابه “دولة الهواة” ، على قول المثل الفرنسي الشهير إلى السّامع الجيّد A bon entendeur …

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.