كلمات في رثاء رئيس الشعب …

0 310

 

بقلم : رشيد الكرّاي

 

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب

متى حطّ ذا نعشه ذاك يركب

لله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بحساب وأجل مسمّى . ولأنه حقا من المؤمنين حدّ النخاع بالجمهورية وقيمها ، شاء ربّك أن يكون يوم الأجل لرئيسنا الراحل محمد الباجي قايد السبسي يوم عيد الجمهورية .

تشريف إلاهي لا يحظى به حقا إلاّ رجل من زمن العظماء ، رجل تعرفت عليه أجيال ما قبل الاستقلال وما بعده بعقود من خلال معاشرته اللّصيقة لأب الشعب وزعيمه الوطني الفذّ الرئيس الحبيب بورقيبة رحمه الله لسنوات طويلة تحمّل فيها أدقّ المسؤوليات العليا للدولة بل وتجرّأ حتى على مخالفته الرأي ، دون أن ينقلب عليه وعلى حزبه التاريخي الحزب الحر الدستوري قبل أن يصبح الحزب الاشتراكي الدستوري ، ويدير له ظهر المجن كما فعل كثيرون ومنهم الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي عمل معه لفترة قصيرة انسحب بعدها بهدوء دون ضجيج أو غبار .

كان رئيسنا الراحل الباجي قايد السبسي رحمه الله من أكثر الناس إيمانا بسيرورة التغيير ومسايرة الزمن ومتطلباته التي يفرزها ارتفاع المستوى التعليمي للنخب الوطنية الجديدة وبروز حاجيات اقتصادية واجتماعية جديدة فرضها الواقع الوطني والدولي الجديد . وقد ظن كثيرون أنه وبحكم انتمائه للبرجوازية التونسية “العاصميّة” أنه مثل باقي النخب يمتلك أمراض الفكر النخبوي المتكلس وداء حب الظهور والقيادة ، ولكن في أول ظهور علني له بعد الثورة ، ذهبت كل هذه الظنون إلى غير رجعة ، فقد وجدنا فيه أبا حنونا ناصحا ومنصتا جيدا للشباب ومؤيدا وداعما لأفكارهم ومؤمنا بهم ومنتميا لهم وكان دائما ما يحاول أن يدفع بهم ليحلوا محل النخب ، وذلك من فرط إيمانه بقدرة الشباب والمرأة كذلك على إحداث الفارق والتغيير الحقيقي لهذا البلد ..

رحل الرئيس الباجي أو كما يحلو لأبناء شعبه أن ينادوه “البجبوج” عن دنيانا وقد تحقق جزء كبير من حلمه في وطن حر يتسع للجميع تسوده قيم الحرية والعدل والديمقراطية والأخلاق ، وترك خلفه من يُكمل تحقيق هذا الحلم ، فقد كان أبا روحيا لكثير من الشباب وبالأخص النساء وكان دعمه بلا حدود وكان سندا للشريحتين في كثير من الأزمات .

كان أكثر ما يميزه عن الآخرين أنه يستمع كثيرا ويتحدث قليلا ويسدى النصح ولا يفرض رأيا ، وكان رحمه الله زاهدا في بهرج السلطة والنفوذ متواضعا مترفعا عن الإعلام غير محب للظهور رغم ما قدمه لهذا الوطن من خدمات جليلة على عكس آخرين لم يقدموا نصف ما قدم هذا الرجل ونجدهم ملء السمع والإبصار .. وعلى جانب آخر فالرجل كان معطاء وفعّالا للخير دون رياء أو تفاخر فكان متبنيا لكثير من الحالات الإنسانية وله أياد بيضاء على الكثيرين ولم يكن يعلم هذا إلا القليلون ممن يساعدوه ، وكنا ننظر لما يفعل بعين الإعجاب والتقدير ونتمنى أن نصبح مثله في حلمه وعطاءه ورزانته ورجاحة عقله وعشقه لهذا الوطن ..

وداعا أبى الروحي .. وداعا أيها الرجل الشريف النبيل .. كنت عظيما في محياك وستظل عظيما بعد مماتك بما تركته من إرث من الخير والحب والوطنية الصادقة .. وداعا سيدي الرئيس ، كنّا نتمنّى أن تكمل عهدتك الرئاسية ، وأن تعود بعدها لجبّتك التاريخية المعروفة جبّة الأب الحكيم “كبير العيلة” الذي يحتكم له الأبناء عند الخلافات والأزمات فيمتثلون لقوله وينفّذون نصائحه وحلوله ، لكن شاء ربّك ما فعل ، ولا مردّ لمشيئته وفعله كما كنت تؤمن دائما ، رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جنانه ..

مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلً . صدق الله العظيم

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.