رحيل منظّر “الفكر المركّب”: وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام
حلقة وصل– شؤون دولية وثقافية
غيب الموت، اليوم السبت 30 ماي 2026، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي البارز إدغار موران، عن عمر ناهز 104 أعوام، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً وإنسانياً هائلاً طبع مسار العلوم الإنسانية والفلسفة المعاصرة صلب القرن العشرين والحادي والعشرين.
ويُصنف موران كأحد آخر العمالقة من جيل المفكرين الفرنسيين الموسوعيين، حيث عُرف عالمياً بتأسيسه لنظرية “الفكر المركّب” (La Pensée Complexe)، ودفاعه المستميت عن القضايا الإنسانية العادلة ومناهضته للاستعمار والحروب.
أولاً: محطات تاريخية في مسيرة مفكر موسوعي
ولد إدغار موران (واسمه الأصلي إدغار ناهوم) في باريس في 8 جويلية 1921 لعائلة من أصول يهودية سفاردية، وتميزت حياته المديدة بالتزام فكري ونضالي لافت:
المقاومة الفرنسية: انخرط صلب العمل السري ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية، واتخذ من “موران” اسماً حركياً لازمه طوال حياته وصار لقبه الشهير.
الالتزام السياسي: انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يتم طرده منه سنة 1951 بسبب مواقفه النقدية المستقلة صلب مواجهة الستالينية.
البحث العلمي: التحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) سنة 1950، وتولى فيه إدارة الأبحاث صلب علم الاجتماع، مساهماً في تأسيس “مركز الدراسات فوق المنهجية”.
ثانياً: ركائز المنهج الفلسفي وإرث “الفكر المركب”
تتمحور فلسفة إدغار موران حول ضرورة تجاوز القراءة الأحادية والتبسيطية للظواهر الإنسانية والكونية، وترتكز مقاربتها الفنية على:
1 موسوعة “المنهج“: تُعد سلسلته الشهيرة “المنهج” (La Méthode)، المكونة من 6 مجلدات صِيغت بين عامي 1977 و2004، عمله الأبرز؛ حيث حاول فيها الربط بين العلوم الطبيعية (الفيزياء وعلم الأحياء) والعلوم الإنسانية صلب صياغة فكرية موحدة.
2 الفكر المركب: يرى موران أن مشاكل العالم المعاصر مترابطة ومعقدة، ولا يمكن حلها بفصل العلوم عن بعضها، بل يجب تبني فكر “يربط” بين الأجزاء والكل صلب ذات الوقت.
3 أنسنة العولمة: ركز صلب كتاباته المتأخرة على مفهوم “سياسة الأرض” و”المواطنة العالمية”، داعياً إلى تضامن إنساني واسع صلب مواجهة الأزمات الوجودية التي تهدد كوكب الأرض كأزمة المناخ والحروب.
ثالثاً: مواقف مبدئية ناصرت القضايا العربية
عرف إدغار موران بمواقفه الشجاعة والمنصفة تجاه القضايا العربية والتحررية، ومن أبرزها:
الثورة الجزائرية: كان من أوائل المثقفين الفرنسيين الذين وقعوا على “بيان 121” الشهير سنة 1960، الذي يعلن مساندة الحق في العصيان ضد حرب الجزائر ويدين الممارسات الاستعمارية.
القضية الفلسطينية: حافظ على موقف نقدي صارم تجاه السياسات الإسرائيلية، متبنياً الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني صلب تقرير مصيره، ومندداً بجرائم الاحتلال والحصار صلب قطاع غزة، وهو ما عرضه لحملات تشويه شرسة ومحاكمات صلب فرنسا نجح في دحضها قضائياً.
برحيل إدغار موران، تفتقد الساحة الثقافية والفلسفية العالمية صوتاً نقدياً حراً وعقلاً موسوعياً فذّاً، أمضى أكثر من ثمانية عقود صلب تفكيك أزمات الحداثة ومحاولة صياغة أمل جديد للإنسانية.
التعليقات مغلقة.