أرث الميليشيات في ليبيا … هل يكمل الدبيبة ما بدأه السراج؟
حلقة وصل _فريق التحرير
في ماي من العام الماضي أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة شروع “ليبيا خالية من الميليشيات والفساد”، مؤكداً أن “من يستمر في الفساد أو الابتزاز لن نتركه”، جاء ذلك على خلفية أحداث مسلحة شهدتها العاصمة الليبية طرابلس ونتج منها مقتل قائد جهاز دعم الاستقرار عبدالغني الككلي، الملقب بـ”غنيوة” إثر هزيمة لحقت بعناصره على يد قوات موالية للدببية.
غير أن الشعار الذي رفعه الدبيبة ضد الميليشيات لم يصمد طويلاً، إذ أثار استقباله، خلال الأيام القليلة الماضية، آمر ميليشيات “شهداء النصر” في مدينة الزاوية (غرب ليبيا)، محمد كشلاف الملقب بـ”القصب”، والمدرج على لائحة العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي سنة 2018، استنكار عدد من الجهات الحقوقية وعلى رأسها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا التي أكدت في بيان، أن كشلاف مدرج على قوائم العقوبات بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1970 لسنة 2011، والقرار 2174 لسنة 2014، والقرار 2213 لسنة 2015، بسبب اتهامه بارتكاب انتهاكات تتعلق بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين غير النظاميين وارتكاب انتهاكات خطرة لحقوق الإنسان.
غطاء سياسي
وقالت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إن “استقبال شخصية مطلوبة دولياً يعد خرقاً واضحاً لقرارات مجلس الأمن الدولي وانتهاكاً خطراً للالتزامات القانونية الدولية المترتبة على حكومة الوحدة الوطنية”، وتابعت في بيان أن “هذا التصرف يثير مخاوف جدية في شأن وجود علاقات بين جهات رسمية وشبكات متورطة في تهريب الوقود والمهاجرين والاتجار بالبشر، مما يسهم في تعزيز الإفلات من العقاب وتشجيع ارتكاب مزيد من الجرائم والانتهاكات في حق المهاجرين”، ودعت المؤسسة الحقوقية حكومة الوحدة الوطنية إلى “الإيفاء بالتزاماتها القانونية، وضمان تسليم الأشخاص المطلوبين محلياً ودولياً إلى القضاء، بما يرسخ مبدأ سيادة القانون ويحترم قرارات مجلس الأمن والآليات الدولية ذات الصلة”.
وتتهم ميليشيات كشلاف بالسيطرة على مصفاة الزاوية، وتورطها في عمليات تهريب الوقود والاتجار بالبشر، وإدارة مراكز احتجاز غير قانونية للمهاجرين، مما فتح الباب أمام التساؤل حول سقوط الدبيبة في الخطأ نفسه الذي وقع فيه نظيره السابق فايز السراج، بخاصة أن البلد المنقسم على نفسه منذ عام 2011، تتربع فيه 300 ميليشيات مسلحة وتمزقه 29 مليون قطعة سلاح وفق تقديرات أممية.
وأوضح مدير “مركز الأمة للدراسات الاستراتيجية والسياسية” محمد الأسمر أن السراج هو من فتح الباب لولوج الميليشيات إلى مصنع القرارات السياسية من طريق تعيين قادتها على رأس مؤسسات سيادية ومنحها ذمماً مالية مستقلة، “إذ نصب عام 2019 فتحي باشاغا وزيراً للداخلية على رغم أنه كان أحد قادة ميليشيات فجر ليبيا ومتورطاً في مجزرة غرغور التي ذهب ضحيتها عدد من أصحاب الرأي العام”.
ترسيم الميليشيات
لفت الأسمر إلى أن القرارات العشوائية للسراج تعمقت عندما نصب آمر ميليشيات “الأمن المركزي” الككلي على رأس جهاز أمني قومي يسمى “جهاز دعم الاستقرار” عام 2020، وهو جهاز مستقل له ذمة مالية مستقلة وإحدى أذرع المجلس الرئاسي (تم القضاء على قائده وحل الجهاز من طريق قوات موالية للدببية في مايو الماضي)، وشدد على أن “السراج هو من تسبب في إحكام سيطرة أخطبوط الميليشيات على مؤسسات الدولة، ليترك بذلك إرثاً ثقيلاً للمجلس الرئاسي لحكومة الوحدة الوطنية من الصعب التخلص منه”.
وفي تعليقه على فتح الدبيبة مجدداً الباب أمام الميليشيات على رغم وعوده بجعل ليبيا خالية منها، قال عضو لجنة الأمن القومي بمجلس النواب علي التكبالي إن الدبيبة بصدد استكمال ما بدأه السراج الذي شرعن الميليشيات لحمايته، مؤكداً “أن الدبيبة فسح لها المجال بطريقة أوسع وأكبر، مما تسبب في أعمال جسيمة ضد الشعب الليبي، وهو يعد مسؤولاً عن كل ما حدث من جرائم ضد الإنسانية”.
من ناحيته أوضح الحقوقي والمستشار القانوني إحميد الزيداني أن الدبيبة بصدد إكمال السيناريو ذاته الذي بدأه نظيره السابق السراج، مؤكداً “أن استقبال رئيس الحكومة أشخاصاً متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ودرجت أسماؤهم على لائحة العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، له دلالات سلبية حول جدية حكومة الوحدة الوطنية في إنهاء وجود الميليشيات ومجابهة إفلات الجناة من العقاب، ومثل هذه الأفعال تعد خرقاً لقواعد العدالة والانصاف للضحايا وذويهم”، وتابع الزيداني أن استقبال رئيس حكومة “آمر ميليشيات على البساط الأحمر يعطي إيحاء لبقية زعماء الميليشيات وأمراء الحرب والمتورطين في الانتهاكات الجسيمة والخطرة لحقوق الإنسان في ليبيا، بأنهم في مأمن، مما سيسهم في استمرار وتجدد الانتهاكات”، وحذر من أن مثل هذه التصرفات تقوض الجهود الوطنية والدولية في ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، خصوصاً تلك المرتبطة بالاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، مشدداً على أن الأجدى برئيس الحكومة أن يكلف الجهات المتخصصة بضبطهم تمهيداً لعرضهم على السلطة القضائية لمحاسبتهم بدل الاحتفاء بهم، وقال “إن الاستمرار في هذا النهج هو استمرار تبني النهج الميليشياوي في ليبيا، والذي بلا شك سيقوض أي جهود لقيام دولة المؤسسات والقانون، ناهيك بتأثير ذلك في دول الجوار والمنطقة”.
عن اندبيندت عربية
التعليقات مغلقة.