انحراف الاتحاد عن الدور الأساس والأصيل
حلقة وصل _فريق التحرير
بقلم النفطي حولة : ناشط نقابي وسياسي قومي مستقل
لا يشكنّ أحد أن الأزمة التي تخيّم على الاتحاد العام التونسي للشغل هي كسابقاتها يعني هي من وليدة السلطة أو النظام الحالي لقيس سعيد. و لا يذهبنّ في بال أي أحد أنها من صنع السلطة أو من تدبيرها، إلاّ إذا كان ذلك رجما بالغيب، أو إسقاطا، أو تعسّفا على الواقع و على الوقائع.
ذلك أن الأزمة الحالية هي في الجوهر و في العمق أزمة داخلية بكل المقاييس، وإن كان من البديهي ستستفيد منها السلطة الحاكمة فكما يُقال حتى الملائكة لها مصالح. وإذا كانت السلطة الحالية كان لها موقفا، فالموقف الوحيد الذي عبرت عنه على لسان الرئيس هي أن لا يكون الاتحاد العام التونسي للشغل طرفا في الحكم أو يبحث عن اقتسام السلطة عبر ما يسميه الطبوبي الحوار الوطني. وهو ما تصدّى له النظام بقوة و رفضه رفضا قاطعا في الطبخة أو النسخة الثانية “للحمار الوطني” التي طرحها الطبوبي. و كأن المنظمة النقابية أصبحت بعد 2011 أي في مرحلة الربيع العبري تلعب دور الحزب بالمعنى الأيديولوجي في صراع الاستقطاب السياسي. ولعل نتيجة الحوار الذي نال فيه حسين العباسي جائزة نوبل المشبوهة في نسخته الأولى قد أعادت الحكم للنهضة من جديد بشكل أو بآخر.
وما كان الاتحاد العام التونسي للشغل في أي مرحلة من تاريخه بعد انتفاضة 26 جانفي 1978 المجيدة يبحث عن محاصصة في الحكم، أي يريد أن يتموقع في الحكم كطرف. إنما الأصل في انشغالاته كان يكمن في المطالب الاجتماعية المشروعة للشغالين والأجراء عموما المادية منها والمعنوية، إلى جانب الالتزام بالدور الوطني الأصيل والثابت للاتحاد العام التونسي للشغل، وبالتالي أولوية التمسك والدفاع عن السيادة الوطنية، وعدم الزج بها تحت أي ظرف من الظروف في تجاذبات أو معارك سياسية حزبية خارجة عن دوره. مثل اصطفافه الآن وهنا مع المعارضة المستقوية بالخارج. وكذلك مثل ما حصل أخيرا في استدعاء سفير الاتحاد الأوروبي مبرّرا ذلك بما سماه بالدبلوماسية النقابية. وكأنه يستدعي وعى ذلك أم لم يع الدبلوماسية الشعبية لراشد الغنوشي وهو رئيس البرلمان. وإلى جانب انحيازه المطلق بالسيادة وجب عليه الالتزام بالدفاع عن قضايا الحريات العامة والديمقراطية ومدنية الدولة. أكّدنا على ذلك حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
الأسباب العميقة للأزمة:
وبالعودة إلى أسباب الأزمة التي كانت في الأصل داخلية بفعل الطغمة البيروقراطية، حيث بدأت الأزمة منذ انقلاب هذه الأخيرة وعلى رأسها الطبوبي على الفصل عشرين من القانون الأساسي. وأعدت له العدة في المجلس الوطني بالحمامات في أوت 2020 في ذروة الكوفيد بتواطئي تام مع حكومة المشيشي الموالية للنهضة، لتقرّر عقد المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي البِدعة الذي انعقد في سوسة ليقرّ حذف الفصل 20 الذي كان يحدد مدة العضوية في المكتب التنفيذي بدورتين، مما أثار جدلاً واسعاً واحتجاجات نقابية واسعة رافضة للتمديد.
وإذا كانت المعارضة النقابية لنهج الارستقراطية العمالية التي تمثلها المركزية البيروقراطية التي يقودها المكتب التنفيذي الوطني والمكاتب التنفيذية الجهوية كانت مصاحبة تاريخيا للاتحاد منذ العهد العاشوري لما بعد جانفي 78، فإن هذه المرة كانت أكثر بروزا و نشاطا و نضالية في مواجهة هذه الانحرافات الخطيرة، و لاسيما مع الأمين العام الحالي. ثم يأتي مؤتمر صفاقس أيام 16 و 17 و 18 فيفري 2022 بصفاقس ليزيد في تمادي هذه القيادة لانحرافاتها بعيدا عن مشاغل الطبقة العاملة وهمومها.
ثم تتسارع الأزمة لتصبح بين خمسة أعضاء يتقدمهم المرحوم منعم عميرة مقابل عشرة أعضاء يتقدمهم الطبوبي. وكل يوم يأتي بالجديد في اشتداد الأزمة الداخلية وتضخّمها. لا من أجل إلغاء المناولة، أو من أجل مكاسب اجتماعية، أو زيادة في الأجور، أو مشكلة المعلمين والأساتذة النواب، أو الدكاترة المعطلين على العمل، أو الذين طالت بطالتهم، أو عاملات و عاملي الحضائر، وهي من أولى القضايا الاجتماعية الحارقة التي كان يجب على هذه القيادة الالتزام بها ، وإنّما كانوا منشغلين بالصراع في الاستقطاب بين أجنحة البيروقراطية قطاعيا و جهويا ومركزيا، وفي الصراع على السلطة.
وفي الوقت الذي نبّهت فيه المعارضة النقابية الوطنية مرارا و تكرارا عن تزايد تعفّن الأزمة داخل الطغمة البيروقراطية المتنفّذة والحاكمة بأمرها التي يقودها التيار النقابي الانتهازي، وعمدت أي المعارضة في عديد المحطات النضالية بما فيها الاعتصامات والوقفات الاحتجاجية عن كشف طبيعة الأزمة للرأي العام النقابي والوطني، وفي الوقت الذي استغلت فيه عديد المنابر الإعلامية للتعبير عن رأيها ورفع صوتها عاليا لإنارة الرأي العام النقابي والوطني، و توضيح طبيعة الأزمة والمتسببين فيها، حذّرت المعارضة هذه القيادة المنحرفة من مغبّة النيل من سمعة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أسسه الأوائل في ظروف وتحديات محلية ودولية صعبة، ساد فيها الاستعمار المباشر وهجوم الرأسمالية العالمية الاحتكارية لنهب خيرات الشعوب وثرواتها.
وقد سعى كل من محمد علي الحامي و الطاهر الحداد ورفاقهما لتأسيس الاتحاد. فكان أول ميلاد لجامعة عموم العملة التونسية في سنة 1924 على يد محمد علي الحامي ورفاقه الذين تعرضوا لعديد المضايقات والمحاكمات. كانت أشهرها باتهامه ورفاقه بالضلوع في التآمر على أمن الدولة. ولعل نفيه خارج البلاد ونضاله حتى وهو في الخارج جعله يكون أول شهيد للحركة النقابية التونسية وهو في الخارج بافتعال حادث مرور ضده.
أما التجربة الثانية التي لم يكتب لها النجاح هي الأخرى كانت في سنة 1937 حيث أسس بلقاسم القناوي جامعة عموم العملة الثانية وانتخب امينا عاما لها.
ثم يأتي من بعده الزعيم فرحات حشاد العظيم صاحب مقولة “أحبك يا شعب” الذي نجح في تأسيس صرح الاتحاد العام التونسي للشغل في قلب الصراع الوطني والكفاح ضد المستعمر الفرنسي الغاشم في 20 جانفي 1946. وقد قاد حركة الكفاح المسلح عن جدارة في جانفي 1952 وعرّف بتونس في المنتظم الأممي.
إذن، لقد حذرت المعارضة النقابية الوطنية متحفزة ويقظة وهي تستحضر بكل فخر واعتزاز ذلك الإرث النيّر والتقدمي للمؤسسين الأوائل للاتحاد متمسّكة ومدافعة دفاعا مستميتا عن قلعة حشاد العظيم لتظل وافقة شامخة. وهي أي المعارضة كلها وفاء للشهداء المؤسسين وشهداء الحركة النقابية طيلة نضالها ولا سيما في 26 جانفي 78 مثل الشهيد حسين الكوكي و سعيد قاقا الذين استشهدا تحت التعذيب في السجن البورقيبي.
من أجل ذلك التزمت تلك المعارضة باستعادة المنظمة لإشعاعها التاريخي لتنخرط في مهامها التي انبعثت من أجلها و لا سيما في بعدين مركزيين:
أولا) الالتزام بالدفاع عن السيادة الوطنية كخط أحمر تجسيدا في الواقع وليس شعارا كما كان يرفعه الطبوبي تمويها.
ثانيا) التمسك المبدئي بالبعد الاجتماعي للاتحاد، بما يعنيه ذلك الدفاع عن التوزيع العادل للثروة وتبنّي العدالة الاجتماعية كخيار استراتيجي للاتحاد، على أن الديمقراطية التي يؤمن بها النقابيون هي تلك التي يكون جوهرها العدالة الاجتماعية. وهذا نجده مفصلا في القانون الأساسي للاتحاد.
وبالتالي المعارضة النقابية هي المتمسكة طيلة نضالها التاريخي وخاصة في هذا المنعرج الخطير الذي بات فيه الاتحاد مهددا في وجوده أصلا، بهذه الثوابت المرجعية للعمال والشغالين. ولم يكن الاتحاد طيلة تاريخه منحازا بالكامل إلا إلى جانب الدولة التونسية وإلى جانب الوطن، ولو اختلف مع الأنظمة الحاكمة. وليس من طبيعته بأي حال من الأحوال أن يصطف مع أحزاب مستقوية بالخارج على حساب الدولة ولو كانت تدعي الاشتراكية والثورية.
بعض الحلول للخروج من الأزمة:
تضع المعارضة بنودا عامة للخروج من هذا المنزلق الخطير الذي ينذر باستمرار الأزمة ولا سيما أن هذه القيادة عازمة على المضي قدما هروبا للأمام لتدمير و تخريب المنظمة باستمرارها في خلافات بيروقراطية فوقية حول من يقود الاتحاد. والحال أن الأزمة كما جئنا على ذلك هي أعمق من ذلك بكثير. فهي باختصار انحراف عن بوصلة الاتحاد العام التونسي للشغل ودوره. وهذه البنود نراها كالتالي:
1) رحيل كل أعضاء المكتب التنفيذي الحالي و محاسبتهم على الفساد المالي و تدليس المؤتمرات وتزويرها.
2)ارجاع كل المطرودين من الهياكل النقابية من المعارضة الى مواقع مسؤولياتهم السابقة ورفع التجميد عنهم
3)القيام بمؤتمر خارق للعادة وهنا انسجاما مع القانون الداخلي والقانون الأساسي في أحد بنوده الذي يسمح بحل الاتحاد والمرور إلى الاستعداد لانعقاد مؤتمر استثنائي وفق الشروط التالية:
4) تشكيل هيئة مؤقتة انتقالية تسييرية مشتركة من المعارضة النقابية ونواب من المجلس الوطني المشهود لهم بالحياد والنزاهة ونظافة اليد مع الابقاء على المدير المالي وتشكيل مكتب لتصريف الشأن اليومي شريطة أن لا يترشح إي عضو من هذه الهيئة للمؤتمر الذي سيتحدد تاريخه في ظرف سنة.
5) تقوم هذه الهيئة بتجديد كل الهياكل والنقابات التي شملها التدليس والتزوير وفقا للقانون الأساسي والنظام الداخلي المرجع لسنة 2017.
6) ينعقد المؤتمر خلال سنة على ضوء الهيكلة الجديدة والشرعية. ولا تُضبط لوائحه ولا مقرراته إلاّ أثناء المؤتمر بعد المداولات من خلال حوار جدي ونقاشات جادة من أجل البناء وتعميق النظر.
هذه وجهة نظر قابلة للتعديل والمراجعة وسنأتي لذلك بالتفصيل في ورقة أخرى بعد الندوة الوطنية الذي ستعقدها المعارضة النقابية اليوم 27 ديسمبر .
التعليقات مغلقة.