هل تتجه ليبيا نحو الفيدرالية؟
حلقة وصل _ فريق التحرير
برزت دعوات أخيراً تنادي بعودة النظام الفيدرالي الذي عرفته ليبيا بين 1951 و1963. فترة يصفها مراقبون، بالأفضل اقتصادياً وسياسياً في تاريخ الدولة الليبية، قبل أن يتم إلغاء هذا النظام عام 1963، إثر تعديل الدستور وإنهاء النظام الاتحادي الذي كان يجمع بين ولايات طرابلس وبرقة وفزان.
تغيير تحول معه اسم الدولة من “المملكة الليبية المتحدة” إلى “المملكة الليبية”، ومثل تلويح رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان الليبي بالاتجاه لخيار الحكم الذاتي بصورة عاجلة، رداً على تشكيل الهيئة العليا للرئاسات، التي أعلن عنها كل من المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة، لتكون “إطاراً تنسيقياً يشكل السلطة السيادية العليا” في البلاد.
نموذج تاريخي
يصف المتخصص في الشأن الأمني والسياسي الليبي سعد الدينالي، النظام الفيدرالي، بالنظام الحقيقي الذي يصلح بليبيا لأسباب عدة تاريخية وجغرافية واجتماعية.
وعن علاقته بالعامل التاريخي يقول إن ليبيا عندما أنشئت كدولة عام 1951 كان نظامها فيدرالياً يضم الأقاليم الثلاثة برقة وفزان وطرابلس، مؤكداً أنها تعد أفضل فترة مرت على البلد الذي شهد خلالها استقرار سياسي وتنمية اقتصادية. ويشير إلى أن ليبيا شهدت حالاً من الارتباك بمجرد إلغاء هذا النظام، حيث تغيرت أمور عدة وحصلت جملة من الإشكاليات، مما هيأ الظروف لانقلاب معمر القذافي عام 1969، على الملك إدريس السنوسي، منوهاً أنه منذ ذلك التاريخ وليبيا تحاول خلق توازن يلائم حقيقتها الجغرافية والتاريخية.
ويؤكد الدينالي أنه بعد ثورة الـ17 من فيفري2011، خرجت أصوات كثيرة تطالب بـ” العودة إلى الشرعية الدستورية”، لعام 1951 غير المعدل، الذي ينص على النظام الفيدرالي الاتحادي، حيث ترى هذه الطائفة أن النظام الاتحادي هو طوق النجاة الذي سيضمن وحدة ليبيا واستمرارها واستقرارها.
ويرى المتخصص في الشأن الأمني والسياسي الليبي أن الصراعات والانقسامات الحالية أبرز دليل على أن البلاد مبنية على تقسيمة جغرافية لا يمكن لأحد تجاوزها، فالصراع الحاصل الآن شرقاً وجنوباً وغرباً يؤكد بصورة واضحة أن ليبيا مكونة من ثلاثة أقاليم، بحيث يتضح أن جذر الصراع الحقيقي هو صراع الأقاليم ضد بعضها بعضاً، مشيراً إلى أن الحل الأمثل لهذه الأزمة عودة النظام الفيدرالي الذي يضمن لكل إقليم من الأقاليم الثلاثة حقوقه التنموية والمدنية ويعطيه حق التصرف في موارده ويفرض عليه واجبات، في ظل دستور يضمن كل هذه الحقوق للجميع برعاية الدولة الليبية.
دولة بنظامين
للاقتراب من فهم دوافع تلويح رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد الوثيقة الارتباط بالقيادة العامة التي يقودها المشير خليفة حفتر، في شأن التوجه نحو “الحكم الذاتي”، يلاحظ كبير مستشاري الأمم المتحدة ورئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الأمازيغ إبراهيم قرادة، أن الأمر يتطلب استيعاب نقاط عدة، منها حال الانقسام السياسي والجغرافي الطويل بين غرب ليبيا وشرقها، والضغوط الاقتصادية، وفي مقدمها عجز الإيرادات عن تلبية متطلبات الإدارة التسييرية والتنموية والعسكرية، إضافة إلى تزايد التنافس حول الإيرادات.
وينوه أن انتقال مشروع المشير خليفة حفتر، للعوة إلى الحراك الشعبي والمجتمعي كأسلوب يتجاوز انسداد المسار السياسي، وتحوله من التكهنات إلى أن يكون مسار معالجة سياسية تتجاوز الأطراف الليبية الحالية، حيث تجسد ذلك عبر توالي استقباله ولقاءاته مع تركيبات اجتماعية (مناطق، ومدن، وقبائل) من المنطقة الغربية، مع توجه خطاب حفتر نحو الالتجاء للحراك الشعبي كفاعل سياسي محوري للتغيير.
ويرى قرادة أن تصريح حماد حول “الحكم الذاتي” جاء مباشرة بعد الإعلان عن تشكيل الهيئة العليا للرئاسات، والمتكونة من ثلاثية المجلس الرئاسي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، كجسم سياسي تنسيقي مع ملاحظة غياب رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح الذي وجهت له الدعوة إلى الانضمام، لكنه خير عدم الحضور، ولم يحظ هذا الجسم بالترحيب من سلطات المنطقة الشرقية.
ويشير قرادة إلى أن التلويح بـ”الحكم الذاتي” من قبل رئيس الحكومة الموازية بالشرق الليبي، التي تشمل سلطاتها كل إقليم برقة وأجزاء من فزان، مع تواصلات مع أطراف في غرب ليبيا، إما أن يكون توجه للوضع الراهن، ضمن الدولة الليبية، بحيث تكون دولة واحدة بنظامين كما هو الحال في الصين مع هونغ كونغ، أو نظام اتحادي متنوع كما هو الحال في الاتحاد الروسي، أو مثل صقلية التي تتمتع بوضعية حكم ذاتي خاص ضمن الجمهورية الإيطالية، أو كجزيرة غرينلاند بحكمها الذاتي الموسع ضمن المملكة الدنماركية، وقد يكون التوجه إلى علاقة ارتباط سياسي متنوع كحال مكونات المملكة المتحدة أو الإمارات العربية المتحدة.
حسابات إقليمية
في المقابل يقول كبير مستشاري الأمم المتحدة ورئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر الأمازيغ إنه في حال التوجه نحو النظام الفيدرالي، تبقي السياسة الخارجية والدفاع موحدة، مع توافقات على المالية العامة والأمن الداخلي ونمط العلاقات بين وحدات الحكم المحلي، مستدركاً أن ذلك واقعياً ليس بالسهولة لأنه سيبرز مسألة الحدود بين الأقاليم، وطريق توزيع الموارد، مع زيادة معضلة من يكون رئيس الدولة وماهي صلاحياته، منبهاً من عدم إغفال تاريخ الأزمة الليبية القريب وجذوره المتراكمة، وما يحدث في جوار ليبيا الجنوبي، وبخاصة في السودان ومالي، الذي يلقي بظلاله القاتمة على ليبيا.
ويرى أن مسألة الحكم الذاتي لأي إقليم في ليبيا، بخاصة في ظل ضعف الدولة وهشاشة المجتمع، لن تكون مسألة محلية، بل إقليمية ودولية، فقد توجد أطراف تشجع ذلك لحسابات مصالحها، ولكن بعض الدول خاصة دول الجوار الليبي، سترى ذلك خطراً جيوسياسياً وأمنياً، موضحاً أنه لم يظهر أي تفاعل أو تعليق إقليمي دولي على تصريح حماد حول إمكان الذهاب نحو حكم ذاتي، ما يعني إما عدم أخذه بجدية أو أن الدول المعنية تتدارس تلويح حماد بالذهاب نحو الحكم الذاتي.
ويشير إلى أنه من أهم ردود الفعل المؤثرة والمنتظرة الموقف الأميركي، سواء من الإدارة أو من كبير مستشاري ترمب في أفريقيا مسعد بولس، مع بقاء التوقعات مشرعة لأية احتمالات، مذكراً أنه من المواقف المهمة أيضاً الموقفين المصري والجزائري بحكم جوارهما لليبيا، ومعاناتهما من اضطرابات الإقليم، في انتظار كيف ستتفاعل روسيا مع هذا التلويح، إلى جانب الدول المؤثرة أو المتدخلة في الأزمة الليبية كالسعودية وتركيا وتونس والإمارات وقطر وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا، فكل الدول السابقة لديها حسابات وتوجهات جيوسياسية وأمنية ومصلحية تمسها وتتجاوز الجغرافية الليبية.
رد فعل
في سياق متصل، يرى المحلل السياسي حازم الرايس، أن التلويح بالحكم الذاتي الصادر عن الحكومة الموازية في شرق البلاد جاء كرد فعل مباشر على خطوة تشكيل الهيئة العليا للرئاسات في طرابلس، والتي تعد إطاراً لتنسيق المواقف السيادية في غرب ليبيا، هذا التطور أثار مخاوف حفتر، الذي يسعى في هذه المرحلة إلى إضعاف وحدة الموقف في طرابلس وإحداث حال من التشظي الداخلي.
ويشدد الرايس أنه من الواضح أن رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان أسامة حماد لم يأت على ذكر الحكم الذاتي من تلقاء نفسه، بل جاء تصريحه انعكاساً لسياسة معسكر حفتر، الذي يعمل على تعبئة القبائل الليبية لطرح مبادرة شعبية تكون تحت مظلته وحمايته. ويضيف “وعليه، فإن الرسالة الموجهة من حكومة حماد إلى الشارع الليبي تبدو واضحة، إما الالتفاف حول مبادرة تتيح لنا حكم البلاد كاملة بما يضمن وصول مشاريعنا التنموية إلى جميع مناطقكم، أو أننا سنمضي نحو خيار الحكم الذاتي والانفصال الإداري عن باقي البلاد، وهو موقف يعكس مستوى الاستقطاب المتصاعد بين الشرق والغرب في هذا التوقيت، في ظل محاولات أميركية للدفع نحو توحيد الموازنة، ثم السلطة التنفيذية، وصولاً إلى المؤسسة العسكرية، حيث يسعى كل طرف اليوم إلى امتلاك أوراق ضغط جديدة تتيح له هامش مناورة أكبر في المفاوضات المقبلة”.
ويلاحظ الرايس أن تفتيت المركزية يعد ضرورة بالغة الأهمية في دولة واسعة المساحة مثل ليبيا، غير أن تبني هذا التوجه لا يمكن أن يكون قراراً انفرادياً يصدر عن أي طرف سياسي أو عسكري، ولا يمكن طرح الحكم الذاتي أو النظام الفيدرالي بصورة أحادية الجانب، فهذه الخيارات تمثل حقاً أصيلاً للشعب الليبي وحده، وهو المخول بالتصويت على مشروع الدستور وتقرير شكل الدولة عبر آليات دستورية واضحة ومشروعة.
التعليقات مغلقة.