تعديل حكومي على وقع الاحتجاجات … وشبهات فساد تحيط بالوزراء الجدد
حلقة وصل
أعلن رئيس الحكومة التونسية، هشام المشيشي، تعديلاً وزارياً واسعاً، أثار جدلاً كبيراً حول انتماء الوزراء الجدد وتعلّق شبهات «فساد» بعدد منهم، في وقت اتهم فيه سياسيون أطرافاً محسوبة على المنظومة القديمة بدعم أعمال العنف والتخريب في مناطق مختلفة في البلاد.
وشمل التعديل الوزاري، الذي أعلن عنه المشيشي مساء السبت، إحدى عشرة حقيبة وزارية، من بينها العدل والداخلية والصحة والطاقة، كما أعلن المشيشي التخلي عن خطة كاتب دولة للمالية والتخلي عن الوزارة المكلفة بالهيئات الدستورية والعلاقة مع المجتمع المدني وضم المصالح التابعة لها إلى رئاسة الحكومة.
وخلال إعلانه لتشكيلته الجديدة، أكد المشيشي أنه قام بتقييم عمل فريقه كرئيس للحكومة واستمع فيه لمختلف الآراء، مضيفاً أنه أعلم رئيس الجمهورية بهذا التحوير وسيعرضه، كما ينص على ذلك الدستور، على أنظار مجلس نواب الشعب. كما أشار إلى أن هذا التعديل «ينبع من رغبة صادقة تجمع هذا الفريق الحكومي للفعل والإنجاز والالتزام بالدستور الذي جاءت به ثورة الحرية والكرامة التي أحيينا ذكراها منذ يومين».
وأثار التعديل موجة من الجدل، حيث شكك البعض باستقلالية الوزراء الجدد، فضلاً عن تعلق شبهات فساد بعدد منهم، حيث دونت النائب عن الكتلة الديمقراطية، ليلى حداد: «المشيشي عزز فريق حكومته بدون أن يطلع الشعب على بطاقات سوابقهم التي تناثرت على التواصل الاجتماعي، فنحن نعلم أن تعيينات حزامه السياسي لا تخلو من رائحة الفساد».
وأضافت: «انتهت جلساتهم الليلية تحت الحجر السياسي الشامل بما تبقى من أصحاب السوابق، بمحترفي سرقة الوطن. لا تنسوا تمرير هذه الحكومة ومنحها الثقة بالإجراءات الاستثنائية حتى تضمنوا مرورها وأنتم في بيوتكم».
فيما كشف النائب المستقل، خالد قسومة، عن وجود «شبهة تضارب مصالح مؤكدة تحوم حول الوزير المقترح على رأس وزارة التكوين المهني والتشغيل (يوسف فنيرة)» مشيراً إلى أن «الأسماء المقترحة في التعديل الوزاري تؤكد نجاح حركة النهضة في بلوغ غايتها في إقالة كل وزير لا يعلن الولاء لها وللائتلاف البرلماني. والتصويت على التعديل سيحولها من حكومة كفاءات مستقلة إلى حكومة سياسية».
وكتب سمير بن عمر، رئيس الهيئة السياسية لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية: «وزير التشغيل المقترح كان يشغل خطة مدير عام الوكالة الوطنية للتشغيل والعمل المستقل، وقد وقعت إقالته بسبب تورطه في شبهات فساد وتضارب مصالح (أعطى لأخته 400 ألف يورو عن طريق مكتب تكوين تتولى إدارته – عين إحدى معارفه ملحقة في فرنسا رغم عدم انتمائها لقطاع التشغيل أصلاً). يخشى أن تكون هذه الترقية/ المكافأة بغرض قبر ملفات الفساد بالوزارة وحماية مصالح العصابة».
فيما انتقدت منظمة «أنا يقظ» المتخصصة بالشفافية ومحاربة الفساد، تعيين سفيان بن تونس، عضو حزب قلب تونس، على رأس وزارة الطاقة والمناجم، حيث إن «هذا الأخير يرأس شركة Oscar Infrastructure Services التي تضم كذلك السيد محمد الزعنوني بصفته نائب رئيس مكلف بالشؤون القانونية للشركة (وهو كذلك محامي السيد نبيل القروي رئيس الحزب)».
وأضافت في بيان أصدرته السبت: «السيد محمد الزعنوني هو الذي أشرف على إمضاء ما عرف بعقد «اللوبينق» بين المرشح للانتخابات الرئاسية السيد نبيل القروي والضابط السابق في الموساد الإسرائيلي اري بن ميناشي، وذلك عن طريق وسيط يدعى محمد بودربالة، مع العلم أن هذه القضية مازالت إلى حد الآن في طور التحقيق منذ سنة 2019. فهل من باب الصدفة أن يتم تعيين السيد سفيان بن تونس؟ وكيف يدعي السيد رئيس الحكومة أن التحوير يحافظ على نفس فلسفة الحكومة المستقلة؟».
كما دعت «أنا يقظ» إلى «تجنب التعيينات المشبوهة خاصة في أعلى هرم السلطة، وعدم التلاعب بمؤسسات الدولة جراء حسابات حزبية لا تراعي المصلحة العليا في هذا الظرف الدقيق الذي تعيشه البلاد».
فيما اعتبر أسامية الخليفي، رئيس كتلة حزب قلب تونس، أن التعديل الوزاري الذي أجراه المشيشي هو «تعديل في العمق، ويصبح من خلاله المشيشي رئيساً فعلياً لفريقه وحكومته بكامل الصلاحيات التي يكفلها الدستور دون أي منازع» مشيراً إلى أن تونس بحاجة إلى وحدة وطنية بمرجعية الثورة والدستور والديمقراطية والمصالحة الوطنية، حسب ما بينه في تدوينة على صفحته الرسمية.
واتهم سياسيون المنظومة القديمة التي تضم بقايا نظام الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، بدعم أعمال العنف والتخريب التي رافقت الاحتجاجات في أنحاء مختلفة من تونس.
وكتب زهير إسماعيل، القيادي السابق في حزب الحراك: «نوبات تخريب بلا أفق، بقدر ما تنبّه إلى تعثّر في مسار بناء الديمقراطيّة والمواطنة الكريمة، فإنها تشير إلى أذرع ماليّة (ملف الوردانين) وإعلاميّة (التاسعة وأخواتها) من مافيا القديم وأدواتها من الشباب المهمّش، تصرّ على استهداف المسار. ولهذه النوبات صداها السياسي عند خليط من الشعبويّة الضحلة والفاشيّة الحقيرة وروافدهما من يسار وظيفي بائس يحسب كل عجلة محروقة «ثورة جديدة» وديمقراطيين كارهين لأنفسهم انتهوا معتذرين لبن علي ومرحّبين بعبير».
وأضاف: «تزامنت هذه النوبة مع التعديل الوزاري الأخير، ولكنّها ليست موجّهة إليه رأساً؛ لأنّ الحكومة حكومتهم (بمعنى من المعاني) وهي ثمرة عبثهم (حكومة الرئيس) لمنع قيام حكومة إصلاح وإنجاز على قاعدة انتخابات 2019. فهم وسعيّد من أتى بالمشيشي. وحين يعملون على إرباكها أو يتوهّمون القدرة على إسقاطها فليس استهدافاً «لأبنائهم» و»أًصدقائهم» من الوزراء الجدد من طلبة التجمّع (نسبة إلى حزب بن علي) كلّ ذلك مجرّد واجهة للسياسة وسطح للديمقراطيّة. إنّهم يستهدفون «الشروط العميقة للديمقراطيّة» وهي شروط قائمة في السياق كلّه ويعلمون حجمها ويخشون مآلاتها في ظلّ سقف عال للحريّة واختيار شعبي حرّ».
ودون النائب السابق الصحبي بن فرج: «ما وقع من عنف ونهب وحرق وخاصة امتداد الشغب على مساحة واسعة وفي ساعات معدودة، يؤكد أن انطلاق «الاحتجاجات» وانتشارها لم يكن عفوياً ولا يمكن عزله عما يحدث منذ أسبوعين تقريباً في مراكز السلطة، بداية من عزل وزير الداخلية وانتهاء بالإعلان عن تعديل الحكومة، مروراً بأحداث مجلس النواب. بالتالي، خرجت المعركة من المؤسسات إلى الشوارع والساحات، وهنا يكمن الخطر، لأن المؤسسات بنصوصها وأشخاصها صارت عاجزة عن إدارة الخلافات، عاجزة عن إدارة الدولة، عاجزة عن إدارة الأزمات (الصحية والمالية) وأيضاً لأن الشوارع والساحات عالم منفصل بذاته لا أحد بإمكانه السيطرة والتحكم في مسار أحداثها».
وكتب الباحث والمحلل السياسي د. رياض الشعيبي: «صحيح أن أعمال النهب والحرق والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، كلها مدانة ومجرمة وتستلزم موقفاً وطنياً جامعاً للتصدي لها، لكن الصحيح أيضاً أن الفقر والبطالة والتهميش وضعف المقدرة الشرائية وغياب الدعم الحكومي في مواجهة جائحة كورونا، كل ذلك يمثل أرضية مغذية لهذا الانفلات الاجتماعي والأمني».
وأضاف: «بعيداً عن التوظيف، يميناً أو يساراً، ما يحصل من اضطرابات ليلية هو أقرب للجريمة المنظمة منه للثورة الشعبية. لكن لم يكن ذلك من فراغ، فالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية كلّ لا يتجزّأ. لذلك، وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية الضرورية والمطلوبة، ننتظر تحركاً حكومياً يستعيد ثقة المواطن في دولته».
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.