ما لا يقال عن الربيع العربي في ذكراه العاشرة
حلقة وصل
سال حبر كثير عن الربيع العربي مع حلول ذكراه العاشرة وحتى قبلها. وسال حبر أكثر عمَّا آل إليه من خيبات ومرارة وانكسارات وتغوّل الدولة الأمنية عربيا.
كانت الخيبة والمرارة مما آل إليه الربيع العربي بحجم الآمال التي حملها في بداياته. وكانت الخيبة والمرارة ثمرة جهد داخلي كبير وتواطؤ دولي مفضوح.
لم يفشل الربيع العربي بمحض الصدفة أو بحكم صيرورة تاريخية «بريئة» انتهت إلى واقع معيّن. لقد آل لما آل إليه من نهاية محزنة بعد أن اُنفقت أموال طائلة وبُذلت جهود هائلة في سبيل ذلك. كانت هناك (ولا تزال) قوى رجعية التقت مصالحها ومخاوفها، فاضطرت لعمل المستحيل من أجل أن يتوقف ذلك المد الثوري الهائل وتعود الأمور إلى المربع الأول.
لم تكن هذه القوى الرجعية لتنجح بمفردها ودون دعم خبيث بعيد. مثلما التقت ظروف وأسباب داخلية وإقليمية ودولية أدت إلى انطلاقة الثورات في الشهر الأخير من سنة 2010، التقت ظروف وأسباب محلية وإقليمية ودولية أدت إلى انطفاء جذوة ذلك الغضب العارم.
إذًا، الظروف الداخلية للمجتمعات العربية، رغم صعوبتها وقساوتها، لم تكن وحدها سببا في انطلاق الثورات في تونس بداية ثم امتدادها إلى دول أخرى. إلى جانب الظروف المحلية، هناك أسباب دولية وإقليمية راكمت الغضب خلال السنوات التي سبقته، ومهّدت في صمت للانفجار لاحقا. فالنظام السياسي العربي لم يخفق محليا فقط، بل اُصيب بشلل على الصعيد الإقليمي والدولي لم يختلف كثيرا عن الانهيار الداخلي.
الحكومات العربية، بأذرعها السياسية والإدارية والإعلامية، أضافت ملحا على الجرح بتزكية التوجه الدولي وتواطأت معه في قهره للشعوب المستضعفة
هناك وقائع كبرى لا يمكن تجاهلها في أيّ قراءة موضوعية للربيع الذي تحوّل شتاءً. قد لا يكون تأثيرها مباشرا، لكن هذا لا يسمح بتاتا بتجاهلها. من ذلك احتلال العراق في 2003 على يد القوات الأمريكية والبريطانية وما رافقه من خراب وانهيار لم يكن يخطر على بال. كانت هناك صدمتان، الاحتلال كفعل أولًا، وعواقبه الكارثية ثانيا. لقد ترك ذلك الاحتلال المفجع جروحا غائرة في الوجدان الإقليمي بغض النظر عن القوميات والأديان. وقاد إلى تغييرات جيو ـ استراتيجية وسياسية واجتماعية سيكون من الظلم استثناؤها أثناء بحث الظروف التي قادت إلى الربيع العربي.
هناك أيضا الحروب التي شنتها إسرائيل على غزة وجنوب لبنان. كثرت تلك الحروب الموسمية وأوشكت أن تتحوّل إلى مشاهد متكررة يتابعها العالم عبر الشاشات كأنها ألعاب فيديو. أصبحت روتينا لكنها كانت، في صمت، تزرع مشاعر اليأس والرغبة في الثورة. ما زاد طين الحروب الإسرائيلية بلّة وضاعف الشعور بالإهانة والهوان صمت العالم، وتمادي الإدارة الأمريكية، بغض النظر عمّن على رأسها، في دعم إسرائيل تحت ذريعة الدفاع عن النفس أمام «الإرهاب الفلسطيني».
يمكن أيضا إضافة تغييرات السياسات الأوروبية والغربية عموما حيال المجتمعات العربية والمسلمة، وجنوحها نحو الانغلاق والتشدد بسبب اختزالها مواطني الدول العربية والمسلمة في مجرد قطعان من الحالمين بالهجرة أو من مشاريع الإرهابيين والمجرمين.
كاد هذا الفسيفساء المحبط، رغم سوداويته، أن يكون مقبولا لولا أن الحكومات العربية، بأذرعها السياسية والإدارية والإعلامية، أضافت ملحا على الجرح بتزكية التوجه الدولي وتواطأت معه في قهره للشعوب المستضعفة. لقد تواطأ الحكام العرب على احتلال العراق (السعوديون حرَّضوا عليه). وأبدت الجامعة العربية صمتا متواطئا حيال حروب إسرائيل على غزة. كما تعاونت الحكومات العربية أمنيا ضد مواطنيها وباعتهم لأجهزة استخبارات أجنبية، غربية بالتحديد. كل ذلك بعد أن خنقتهم وأخفقت في توفير العيش الكريم لهم محليا.
الحكومات الغربية بدورها لم تقصّر في الأذى: تشعل حروبا وحرائق في هذه المنطقة من العالم، أو تشارك فيها، ثم تغلق حدودها في وجه قوافل اللاجئين والمهجّرين الهاربين من الموت والدمار، دون أن تنسى تكليف الحكومات الإقليمية بلعب دور الشرطي الذي يحرس حدود أوروبا وأمريكا.
بعد عشر سنوات، ليس فقط لم تتغيّر الظروف التي أنجبت الربيع العربي، بل زادت سوءا وخطورة. وبمنطق العلوم، ذات الأسباب تقود إلى ذات النتائج. ما يعني أن المنطقة مرشحة لانفجارات شعبية أخرى عاجلا أم آجلا. وعلى المشككين أن يتذكروا أن اليأس استبد بملايين التونسيين حتى آمنوا بأن الديكتاتور زين العابدين بن علي غير قابل للاقتلاع، فإذا به يفر بجلده مع أول مظاهرة شعبية اقتربت من وزارة داخليته. كما آمن ملايين المصريين في أعماقهم بأن لا قوة في الأرض بمقدورها اقتلاع الطاغية حسني مبارك، فإذا به يتنحى بعد أقل من ثلاثة أسابيع من بداية الغضب الشعبي عليه.
تغوّل الدولة الأمنية وعودة الطغاة ومريديهم إلى حكم المجتمعات العربية من جديد، يقابله تواطؤ غربي مفضوح. ما كانت هذه العودة ممكنة لولا الدعم الغربي المادي والسياسي.
ثم تطور المشهد بسرعة فلم تعد الحكومات الغربية تجد حرجا في إعلان دعمها لأنظمة عربية انقلابية أقرب إلى الفاشية تنكل بشعوبها وتدوس على كرامتهم يوميا.
الأمر الواقع اليوم أن كل الدول الغربية، من أمريكا غربا إلى موسكو شرقا، تدعم سرا وعلنا أنظمة عربية ذهبت بعيدا في القمع مثل النظام المصري الذي، إلى الفشل الحكومي والسياسي، أضاف إلى شعبه قمعا غير مسبوق.
وعلى النقيض من ارتباكه في اتخاذ موقف صريح من الثورات العربية غداة انطلاقها، اختار هذا الغرب الطريق الأسهل الآن. والحجة جاهزة ومقبولة: بعبع الإرهاب. كان خيارا يقوم على واقعية سياسية عنوانها أن «الذي تعرفه أفضل لك من الذي تجهله».
لكن هذه الواقعية سليمة ومضمونة إلى حين. لا يوجد ما يضمن ديمومتها مثلما لم تدم الواقعية التي سبقت انفجار 2011. ولا يوجد ما يضمن أن القادم، مهما تأخر زمنيا، لن يطال الدول الغربية فيجعلها يومذاك تدفع ثمن قصر نظرها اليوم.
الذين اجتهدوا كثيرا في جعل العالم قرية استهلاكية واحدة عليهم الاستعداد لدفع فواتير جانبية، منها غضب الشعوب.
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.