الديمقراطيّة والتطبيع في بلاد المغرب العربي
حلقة وصل
التطبيع موضوع قديم جديد، غير أنّ المستجدّات الأخيرة، وأهمّها اعتراف الولايات المتّحدة بمغربيّة الصحراء وتزامنه مع انطلاق مسار تطبيع علني بين المملكة والكيان يضعانه في صدارة الملفات السياسيّة الشاغلة. أمّا الجديد فهو علاقة الديمقراطيّة بالتطبيع. ورغم أهميته القصوى في تمثّل ثورة المجال العربي وتبيّن أطوارها ومآلاتها وأثرها في الحيّز الجيوسياسي الذي اكتنفها وفي توازناته، فإنّه لم يَحْظ بالاهتمام المطلوب وبقي أقرب إلى أن يكون منطقة رماديّة لا يراد تسليط أضواء كاشفة عليها.
منطلقات أساسيّة
كانت البداهة الشعبيّة تربط بعفويّتها بين إسقاط النظام وتحرير فلسطين، في لحظات الثورة الأولى المنطلقة من تونس. وفي هذا السياق كان ترافق الشعارين في الانتفاض الشعبي: الشعب يريد إسقاط النظام والشعب يريد تحرير فلسطين. وامتدّ الانتفاض المواطني ليعمّ أهم العواصم العربيّة. والأهمّ أنّه بلغ نواة المجال العربي وقلبه النابض مصر، دون أن ينفصل الشعاران.
ويكثّف تزامن الشعارين الأسباب التي حالت دون بناء المجال العربي كيانه السياسي مثلما شهده المجالان الجاران التركي والإيراني. فالاحتلال والاستبداد يمثّلان العقبة الرئيسيّة المانعة لاجتماع المجال العربي كيانًا سياسيًّا وثقافيًّا وازنًا وقوّة اقتصاديّة مؤثّرة. ولذلك بقي منطقة فراغ للتدخّل الإقليمي والدولي. فكان مصطلح الدولة الوطنيّة في المجال العربي لا يعني كيانًا يغطّي هذه الوحدة الجغرافيّة واللسانيّة الاستراتيجيّة بقدرما يشير إلى “دويلات جهويّة” في تونس ومصر والمغرب والجزائر وسائر الأقطار العربيّة.
ورغم تلازم المهمّتين، فإنّ مسيرة الثورة بدأت باستهداف نظام الاستبداد مقدّمةً إلى دحر الاحتلال. لتقطع مع أدبيّات النخبة القوميّة في الستينيّات وسؤالها الاعتباطي: “هل نحرّر فلسطين لنقيم الوحدة أم نقيم الوحدة لتحرير فلسطين؟”.
وكان الاحتلال الصهيوني أكثر جهة تدرك أهميّة ما اندلع في المجال العربي وما يمكن أن تحدثه الثورات على نظام الاستبداد العربي من تحوّلات عميقة لا تخدم وضعه في مجال فشل في أن يكون فيه جارًا، بعد سبعين عامًا من اغتصاب الأرض. فهو لا يفتأ يتبجّح أمام “العالم الحرّ” بأنّه الديمقراطيّة الوحيدة في “الشرق الأوسط” في غابة من أنظمة الاستبداد العربي.
هذا نصف الحقيقة لأنّ نصفها الآخر يفتح بابًا على “ديمقراطيّة إسرائيل” وأصولها الأوروبيّة. بل يفتح بابًا أوسع على الحركة الصهيونيّة وعلاقتها بالمسألة اليهوديّة كما انطرحت في أوروبا الناهضة. وهي مشكلة أوروبية صرف على علاقة بالدولة/الأمّة تمّ تصديرها خارج أوروبا ليتحمّل وزرها العرب. ولا نَعْدم علاقة “المسألة اليهوديّة” وطريقة “حلّها” برواسب التعصّب المسيحي ونموذجه في مملكة قشتالة ومحاكم التفتيش وهجرة المسلمين واليهود من الأندلس باتجاه ضفّة المتوسّط الجنوبيّة.
وأوروبا في أوّل نهضتها كانت حضارة طاردة، وذلك قبل أن تتحوّل مع الرأسماليّة واتساع نطاقها إلى حضارة غازية. وفي هذا السياق تُفهم أوروبيّة “الكيان الصهيوني” باعتباره مشكلة أوروبيّة تمّ تصديرها باتجاه البلاد العربيّة وبُحث لها عن مسوّغات زائفة من الدين والتاريخ والحضارة. حتّى “ديمقراطيّة إسرائيل” تفضح حقيقة هذا الكيان وأصوله الأوروبيّة وتعبيره الأوفى عن حداثة أوروبا. فأوروبا الديمقراطيّة هي نفسها أوروبّا الاستعماريّة، وكانت في أدبيّاتها السياسيّة والفكريّة تُجمع على أنّ العالم الآخر ومنه بلادنا لا يملك القدرة الذاتيّة على الخروج من نمط “الإقطاع المغلق” إلى أنوار الرأسماليّة في المستوى الاقتصادي (نمط الإنتاج الآسيوي)، ولا شروط الانتقال إلى الديمقراطيّة في المستوى السياسي (نمط الاستبداد الشرقي). لذلك مُنِح الاستعمار وظيفة التمدين والتنوير والتحديث. وفي هذا يتفق أدام سميث وكارل ماركس وبوش الصغير وهو يغزو عاصمة الرشيد بحجّة نقل الديمقراطيّة، فللعربي في تصوّر هؤلاء الغزاة تقاليد في مقاومة المستعمر ولكن لا تقاليد له في مقاومة الاستبداد. فلا بدّ من قوّة خارجيّة تكسر الإقطاع المغلق للانتقال إلى الرأسماليّة وتكسر الاستبداد الشرقي للانتقال إلى الديمقراطيّة. في هذا السياق تُنزّل علاقة الكيان بالديمقراطيّة.
وجاءت الثورة لتكشف زيف هذه الدعوى، فكما للعربي تقاليد في مقاومة المستبدّ فإنّ له أرقى التقاليد في مقاومة المستبدّ المدعوم أوروبيًّا وإسرائيليًّا. وجاءت الثورة لتزيح الستار عن كذبة “ديمقراطيّة إسرائيل”، ولتفكّ الارتباط بين الحريّة والديمقراطيّة في التجربة الأوروبيّة، وفي صورتها المشوّهة التي عبّر عنها الكيان الصهيوني المزروع في غير تربته.
وهذه الحقيقة يعرفها الكيان الصهيوني حقّ المعرفة، ولذلك لم يتردّد في انحيازه إلى نظام الاستبداد العربي. وكان له الدور البارز في تذكية الثورة المضادّة ورعاية الانقلاب على محاولات بناء الديمقراطيّة، وانتهى إلى اتفاق علني مع مكوّن هذه الثورة المضادّة العربي بقيادة الإمارات. فكان السقوط المدوّي لـ”سرديّة الربيع العبري”.
المغرب العربي والمشروع الديمقراطي
للمغرب العربي خصوصيّة لها آثارها في تجربة العلم والأدب والعمران، فمثلما كان للمشرق سبقه كان للمغرب إضافته وجرأته على إعادة التأسيس عندما استهلكت التجربة تأسيسها الأوّل المنهجي والعلمي. وفي التجربة السياسيّة الحديثة وحدث الاستقلال وظهور ما سمّي بالدولة الوطنيّة في ظلّ أنظمة وطنيّة غير بعيدة عن الإيديولوجيا القوميّة والاشتراكيّة بقي المغرب العربي “عروبيًّا غير قوميّ”. وعلامة “عروبيّته” ما استقرّ من علاقة تناغم بين العروبة والإسلام، حتّى أنّ أحدهما كان مرادفًا للآخر في الاستعمال الشعبي إلى اليوم. ولم يكن من صدى يُذكر لما حملته بعض النخب التونسيّة القوميّة البعثيّة ممن درسوا بسوريا والعراق من خطاب قومي.
وأمّا الأثر الناصري فقد كان ضعيفًا لا لضعف التيّار وإنّما لطبيعته العروبيّة غير القوميّة هو أيضًا. وهو عند بعض من دقّقوا في تاريخ التجربة القوميّة بشقّيها البعثي والناصري جزءٌ من ظاهرة الإسلام السياسي. ولم ينقُل ناصِرِيُو تونس من “قوميّتهم” إلى تونس غير الخلاف الناصري الإخواني وهو خلاف سياسي لا علاقة له بالعقدي والإيديولوجي.
علاقة المغرب بفلسطين مختلفة، إلى حدّ بعيد، عن علاقة المشرق بها. ويبدو هذا ضروريًّا لفهم ما يجري في المغرب العربي، بعد الربيع. ومن المهمّ الانتباه إلى أنّ الثورة أحدثت نقلة نوعيّة في العلاقة بالقضيّة، إذ في الربط بين تحرير فلسطين وإسقاط نظام الاستبداد تأكيد على تلازم المقاومة والمواطنة، وتشديد على أنّ الوطنيّة بلا مواطنة سيادة منقوصة واستبداد مقنّع. وأنّه لن يُحرّر فلسطين إلاّ المواطن الحرّ. وأنّ تحرير أيّة مساحة من بلاد العرب باتجاه المواطنة السياديّة هو الخطوة المطلوبة لمناصرة فلسطين بدل البقاء على إصدار بيانات الدعم والتضامن والشجب والتنديد في كلّ ذكرى أو في ما يستجدّ من خطوات في قضم هذا الحقّ.
علاقة أقطار المغرب العربي بالربيع اختلفت باختلاف الأنظمة. فتونس هي البلد الذي منه انطلقت الثورة، والبلد الذي عرف مرحلة الانتقال إلى الديمقراطيّة، في حين تراوحت التجارب الأخرى بين حرب الثورة إلى حرب أهليّة أو الانقلاب الدموي على المسار الديمقراطيّ الفتيّ. ولقد اجتمعت في تونس ثلاثة عوامل تظافرت لينطلق مسار بناء الديمقراطيّة رغم الصعوبات التي واجهته. وتتلخّص في إجماعٍ على فكرة الدولة، ولقاءٍ بين القوى الوسطيّة من القديم والجديد على تسويات تضمن استقرار البلد بمرجعيّة الديمقراطيّة ومسارها بنائها، ومؤسسة عسكريّة وأمنيّة ليس لها طموح سياسي.
وأمّا في المغرب فقد استعدّ النظام الملكي المخزني لامتداد الانتفاض الاجتماعي. فزاوج بين احتواء الانتفاض السلمي الذي اندلع في 2011 وعُرِف بحراك 20 فبراير، والتسريع بإصلاحات سياسيّة واجتماعيّة ورفع في سقف الحريّات. وقد عَرف الحراك الاجتماعي تجدّدًا في أكتوبر/تشرين الأول 2016 وحمل اسم “حراك الريف”، وزاده التضييق على نشطائه واعتقال قيادته (ناصر الزفزافي) في 2017 تجذّرًا. ولوحظ أنّ ما تمّ تدشينه من إصلاحات من قبل السلطة في موضوع الحريّات والمطالب الاجتماعيّة ارتبط مداها بالحراك الاجتماعي توسعًا وتقلّصًا. فحدث نوع من التراجع عن كثير من الإصلاحات، أو بقيت حبرًا على ورق. ومع ذلك يَعرف المغرب ديمقراطيّة تحت سقف المَلكيّة مشروطة بسلطتها ومصالحها وقاعدتها الاقتصاديّة الاجتماعيّة المخزنيّة.
وفي الجزائر، نجح الحراك الشعبي غير المسبوق في تاريخ الجزائر في فرض الصراع السياسي على النظام ومؤسسته العسكريّة مقارنة بالعشريّة الدامية التي عرفتها البلاد على إثر إلغاء الدور الثاني من الانتخابات البرلمانيّة. وقد كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فازت بأغلب مقاعدها منذ الدور الأوّل. ولكنّ الوباء حال دون المرور إلى التفاوض حول الإصلاحات السياسيّة من جهة مرجعيّتها ومداها. وبقي الوضع السياسي في حال كُمون.
وفي ليبيا، كان فشل حفتر في اجتياح طرابلس وخروجه من الغرب الليبي وتراجعه إلى حدود مدينة سرت شرطًا للدخول في مفاوضات الحلّ السياسي برعاية أمميّة. ورغم تعثّر المحادثات الأخيرة التي احتضنتها تونس فإنّه لا أفق للمشهد إلا بحلّ سياسي يمهّد لانتقال متدرّج إلى الديمقراطية.
وأمّا موريتانيا فإنّه رغم سبْقها إلى الانتخابات وإلى التعدّدية الحزبيّة فإنّه لا علامة على توفّر شروط انتخابات ديمقراطية وشفافة تضمن التداول السلمي على السلطة.
تعمل الثورة المضادّة على فرض معادلة في أقطار المغرب العربي في مواجهة “مغرب عربي ديمقراطي” تعرف أنّه لن يكون إلاّ داعمًا للحقّ الفلسطيني التاريخي.
ففي المغرب قُدِّم التطبيع مقابل مغربيّة الصحراء، وفي الجزائر قد يكون التطبيع مقابل المساعدة على شطب الحراك الكامن. وفي تونس التطبيع قد يُعرض مقابل تواصل مسار الانتقال الديمقراطي. وإن كان يوجد في تونس وجه آخر للمعادلة. فقد تقدّم بعض مناهضي الديمقراطيّة بعرض إلى قيادة الثورة المضادّة المتصهينة: “نَحُّوا الخوانجيّة نطبّع”. ومعناه: “أزيحوا الإسلاميين ونحن مستعدّون للتطبيع الكامل”.
وأهميّة هذا الكلام رغم أنّه يأتي من جهة هامشيّة في أنّ التطبيع يستهدف شروط الديمقراطيّة ومن بينها حركة النهضة والتيار والشعب وائتلاف الكرامة رغم ما تعرفه هذه القوى من تناحر وتشتت جهدها واختلافها حول الفاشيّة المستهدفة للتجربة الديمقراطيّة ومؤسسات الدولة.
استنزاف تجربة الانتقال الديمقراطيّ لن يكون إلاّ باستهداف شروطها في أقطار المغرب العربي، وبخلط الأوراق وتعميق الخلافات والتجاذبات بين القوى التي تمثل شرطها. فنحن إزاء مغرب عربي ديمقراطي يولد بصعوبة في مواجهة ثورة مضادّة تغطّي بمالها ورجالها وسلاحها كلّ المجال العربي، من موانئ اليمن والصومال إلى العمق الليبي بين سرت والجفرة وصولًا إلى العيون المغربيّة والصحراء الموريتانيّة.
المصدر: الترا صوت تونس
التعليقات مغلقة.