بعد عشر سنوات من سقوط نظام بن علي: ماذا أثمر الربيع التونسي؟ … محللون: الحكومات المتعاقبة خانت الثورة ومنظومة الاستبداد لن تعود
حلقة وصل
بعد عشر سنوات من سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، لا يبدو المشهد التونسي أفضل حالاً مما كان عليه من قبل، فباستثناء مناخ الحرية والتعددية السياسية، لم تحقق الثورة التونسية أهدافها، حيث تسجل البلاد أرقاماً قياسية فيما تعلق بنسبة الفقر والبطالة، فيما تتواصل التجاذبات السياسية وسط الدعوات المتزايدة لتغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي الذي جاء بطبقة سياسية مشتتة ومتنابذة.
وفيما يواصل السياسيون التونسيون (داخل البرلمان وخارجه) معاركهم الثانوية، تستمر الاحتجاجات المطالبة بالعمل والتنمية في مناطق مختلفة من تونس، في وقت تحاول فيه بعض الأطراف استغلال الوضع الهش للبلاد، في الترويج لخطاب إقصائي يحن إلى زمن الديكتاتورية، لكنه لا يمتلك الأدوات أو الظروف المناسبة لإعادتها.
ويقول الباحث والمحلل السياسي د. رياض الشعيبي لـ”القدس العربي”: “ربما تكون عشر سنوات كافية لتقديم تقييم أولي لمسار الانتقال الديمقراطي في تونس، وذلك رغم ثقل تركة النظام السابق وحجم الخراب الذي أحدثه في البلاد، مؤسسات واقتصاداً وثقافة. وإذا كنا سنقدم هذا التقييم الراهن للمرحلة السابقة، فلا نستطيع إلا أن نصادق على كل ما يقال حول عدم اكتمال الانتقال الديمقراطي في تونس، وذلك في كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فبعد عشر سنوات لم يكتمل بعدُ بناء النظام السياسي كما نص عليه دستور 2014 ما جعل الوضع المؤسساتي للدولة يبدو هشاً وغير متكامل. ولا يزال الوضع الاقتصادي يترنح، بل تتراجع كل مؤشراته، حتى مقارنة بمؤشرات 2010 التي ثار ضدها الشعب التونسي. أما الوضع الاجتماعي فلا أدل على صعوبته من وصول نسبة الفقر إلى أزيد من 20% من السكان، ونسبة البطالة إلى ما يفوق 18%، وخاصة بعد جائحة كوفيد 19.
ديمقراطية غير ناضجة
لكن الشعيبي يستبعد عودة منظومة الاستبداد والفساد، رغم تعالي بعض الأصوات المطالبة بذلك، كما لا يعتقد أن تونس تعيش حالياً “تعثّراً ديمقراطيّاً”، لكنه يرى أن الديمقراطية التونسية “تعاني، هي في السنة العاشرة من عمرها، من عدم النضج وتناقض النخب والظرفية الإقليمية والدولية الصعبة. عديد العوامل الداخلية والخارجية لم تساعد على استكمال الانتقال الديمقراطي، ما يؤكد مرة أخرى أن دمقرطة المجتمع عملية شاملة تدمج الانتقال السياسي مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع توسيع دائرة المشتركات وما يستدعيه ذلك من انتشار الثقافة الديمقراطية”.
كما يستبعد قيام ثورة جديدة في تونس، فـ”القاعدة السوسيولوجية والابستمولوجية تقول إنه لا ثورة ثانية على ثورة حقيقية، إنما كل تمرد على الثورة وقيمها لا يمكن أن يمثل إلا ثورة مضادة؛ أي ارتداد وانتكاسة على مبادئ الثورة الفعلية بغض النظر عما تحقق منها أو لم يتحقق. لذلك لا أرى أن هناك غطاء أخلاقياً أو سياسياً يمكن أن يبرر الدعوة للانقلاب على الانتقال الديمقراطي الحالي”.
ورغم أنه يقر بحالة اليأس التي تلف فئات واسعة من المجتمع بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية، ألا أن الشعيبي يؤكد أن “شعارات ثورية على غرار إسقاط النظام أو لعنة الديمقراطية لم نسمعها تتردد في أفواه المحتجين والغاضبين، بل إن سقف المطالب الاجتماعية بقي محصوراً في مجال التنمية الجهوية والحق في الشغل والعيش الكريم؛ وفي ذلك تعبير واضح على أننا لسنا بصدد مراجعة راديكالية للمنجز الديمقراطي، بل هو تعبير عن مطلب آخر من مطالب الانتقال الشامل في تونس متمثلاً في الديمقراطية الاجتماعية أي الحق في التنمية والتوزيع العادل للثروة”.
ويضيف بقوله: “لعل الصعوبة الأهم التي يواجهها الانتقال الديمقراطي في هذه المرحلة هي الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب. حتى ليظهر للمراقب أن التنمية الاقتصادية في البلاد أصبحت شرطاً لازماً لنجاح الانتقال السياسي. ورغم أن التدخل الخارجي، يعزف على وتر الفشل الاقتصادي من أجل إفشال عملية الانتقال الديمقراطي برمتها، إلا أنه لم ينجح في جر البلاد إلى الارتداد للوراء أو فرض سيناريوهات غير ديمقراطية. والرهان اليومي في التمييز بين الاحتجاج الشعبي المشروع على الأوضاع الاجتماعية المتردية، وبين استثمار بعض الأطراف في حالة الغضب الشعبي لتحويله إلى برنامج سياسي لتصفية العملية الديمقراطية”.
غير أن بعض المراقبين يرون أن الثورة التونسية تعرضت لـ”الخيانة” من قبل النخبة السياسية الحاكمة، حيث تبنت الحكومات المتعاقبة على مدى عشر سنوات خيارات اقتصادية واجتماعية ساهمت في إفقار التونسيين وبددت شعارات الثورة المطالبة أساساً بالعمل والتنمية والكرامة.
ويقول الباحث والمحلل السياسي د. رياض الصيداوي: “أزمة الثورة التونسية هي أنها حققت فقط الجانب السياسي أي الديمقراطية والحريات العامة، فلا أحد يشك الآن أن حرية الصحافة في تونس والحريات النقابية والحريات السياسية وتأسيس الأحزاب أفضل أحياناً من دول أوروبية عريقة، لكن من الناحية الاقتصادية والاجتماعية الوضع كارثي، لأن ثورة 2011 كانت ثورة اجتماعية في الأساس، فأول شعار رفعته هو الشغل، ثم حرية وكرامة وطنية، وأغلب شهداء الثورة هم من العاطلين عن العمل”.
ثورة مغدورة
ويضيف لـ”القدس العربي”: “والغريب أن جميع الحكومات التونسية المتعاقبة منذ الثورة انتهجت سياسة نيوليبرالية على النمط الأمريكي، بدون أي مرجعية اجتماعية، فهي غدرت بالثورة، ولذلك يمكن أن نسمي الثورة الاجتماعية التونسية بـ”الثورة المغدورة”، باعتبار أن هذه الحكومة لم تنتبه للديمقراطية الاجتماعية كما هو الحال عليه في أوروبا، أي تطبيق دول الرعاية الاجتماعية، وإنما طبقت مباشرة الليبرالية على النمط الأمريكي على غرار تحرير الأسعار وتطبيق أوامر صندوق النقد الدولي. هذا كله أدى إلى تفقير الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة، فلا يمكن بناء ديمقراطية دون طبقة متوسطة قوية، وهذا ما لا تفهمه النخب الحاكمة في تونس منذ 2011 وحتى اليوم. كما أنها لم تقطع مع سياسة بن علي فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي”.
ويرى الصيداوي أن الاحتجاجات التي تشهدها تونس حالياً هي ظهرة طبيعية فـ”من المعروف أن الاحتجاجات الاجتماعية في تونس تبدأ عادة في أشهر تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير من كل عام، وهذا تقليد في تونس، فأحداث 1978 (الخميس الأسود) وانتقاضة الخبز 1984 كانتا في شهر كانون الثاني. وفي كل شتاء تونسي تتظاهر فيه الطبقة المحرومة وأيضاً الطبقة المتوسط التي تفقد امتيازاتها، لكن للأسف الحكومة تفعل ما تشاء مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والناس تتظاهر كما تشاء لأن حرية التعبير مكفولة. فهذا حوار الطرشان الذي سيؤدي إلى قطيعة جذرية راديكالية بين الطبقة المتوسطة والمهمشة والنخب الحاكمة لأن الحرية لا تكفي في ظل غياب العدالة الاجتماعية التي رفع شعارها الثوار ولم يحققوا أهدافهم حتى الآن”.
ويضيف: “في نظرية الحداثة الأمريكية من المعروف أن الطبقة المتوسطة حينما تزدهر تبدأ الديمقراطية، ومع تجويع وتفقير الطبقة المتوسطة فإن الديمقراطية التونسية ستصطدم بجدار كبير وسيأتي يوم وتفشل فيها. أضف إلى ذلك مشكلة السلطة، فمن يحكم في تونس هو حكومات ائتلافية موسعة لأنه لا يوجد حزب سياسي قادر أن يحكم بمفرده ويتحمل كل مسؤولياته. وللأسف الشديد، أعتقد أن النظام البرلمان، الذي اختاره الأمريكيون للعراق والموجود أيضاً في لبنان وتونس، أثبت فشله بشكل كبير، وربما يجب التفكير الآن بالنظام الرئاسي، حيث يصبح الرئيس المنتخب لخمس سنوات مسؤولاً عن نجاح برنامجه أو فشله”.
كما يستغرب الصيداوي تزايد وتيرة المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي تقدم بها التونسيون للرئيس قيس سعيّد، فـ”رغم أنه نجح بـ72 في المئة، لكن هذه المطالب هي ليست من صلاحياته، فرئيس الدولة في تونس (حسب الدستور) صلاحياته تكمن فقط في الخارجية والدفاع، وهو لا يستطيع أن يتدخل في الصحة والنقل والتعليم، فهذه الأمور هي من مشمولات رئيس الحكومة، والحكومات الآن تتساقط بسرعة كبيرة جداً في تونس، ومسؤولية الفشل الحكومي موزعة على أحزاب كثيرة جداً”.
ويضيف بقوله: “ربما يجب التفكير، كما أسلفت، بالنظام الرئاسي على غرار النموذج الأمريكي أو الفرنسي، ففرنسا كانت تعيش مثل هذه الأزمات الحكومية المتعاقبة بسبب النظام البرلماني، إلى أن جاء الرئيس شارل ديغول وأجرى استفتاء وجاءت الجمهورية الخامسة، فأصبح لرئيس الدولة برنامج وصلاحيات ونفوذ، قادر من خلالها على تطبيق برنامج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلاد، وبالتالي لم تخرج فرنسا من أزماتها إلا بعد تطبيق النظام الرئاسي”.
المصدر: القدس العربي
التعليقات مغلقة.