الصافي سعيد صحافي في طريق الرئاسة في تونس
حلقة وصل
خرج من تونس صحافيان إلى العالم العربي في سبعينيات القرن الماضي، هما الصافي سعيد، وصالح بشير. كلاهما ذهب إلى بيروت وعمل في صحيفة السفير ومن هناك ذاع اسمه. وكلاهما ترك العمل في السفير، وغادر بيروت بعد رحيل منظمة التحرير الفلسطينية بسبب الاجتياح الاسرائيلي للبنان في صيف العام 1982. وفي حين كان صالح بشير متحفظا في صلاته وعلاقاته، وعلى مسافة من عوالم مدينة بيروت، وما كانت تمثله من حالة عربية، كان الصافي تلقائيا ومنفتحا ومقبلا على الوسطين اللبناني والفلسطيني، وربطته علاقات واسعة مع مثقفي وصحافيي وسياسيي بيروت من فلسطينيين ولبنانيين وجنسيات أخرى، ولأنه عاش الحياة ولم يتصرف كصحافي يعمل في لبنان، فإنه بنى حياة أسرية هناك. ثم إن بدايات الصافي في بيروت رواية أخرى، فهو وصل إلى هناك العام 1976 قادما من رحلة طويلة مع مجموعة فولونتاريا التي تأسست في جامعة الجزائر مع شباب افارقة… ذهبوا الى أنغولا ثم كوبا وفيتنام بعد التحرير ولعودة الى كوبا حيث افترقوا. ومن ناحيته أخذ الصافي طريق بغداد وبعد شهرين ذهب الى بيروت عن طريق الاْردن حيث سجن لمدة شهرين.. بعدها وضعوه على الحدود السورية. ولأنه كان قريبا من أوساط الجبهة الشعبية آنذاك ألحقه بسام ابو الشريف بمجلة الهدف كمحرر ثم كقارئ وملخص لبعض الكتب الفرنسية للدكتور جورج حبش. وفي تلك الأثناء أصدر مجلة “وعي الضرورة” ناطقة باسم اليسار الماركسي في تونس والمغرب العربي، وبعدها انتقل الى السفير باقتراح من الراحل جوزيف سماحة.
الصافي سعيد كائن مدمن على الصحافة والكتابة، لا يمكن أن يحيا من دون أن يقرأ ويكتب. ولا تقتصر الكتابة لديه على الصحافة كمهنة، بل هي محبة للكتابة بوصفها عملا من أعمال الكشف والتحري التي يفتخر بها ويشهرها حيثما حل، ولذلك لا يخرج من بين يديه نص قبل أن يكون خضع لسلسلة من العمليات المخبرية التي تشتغل جميعها على فن المقالة، بما هو كتابة قائمة بذاتها، تتداخل فيها عدة عناصر، تتراوح بين الموهبة الشخصية والعمل على تنميتها بالوسائل المعروفة. وتمتاز كتابة الصافي بأنها حارة. لغة متوترة وكأنها خارجة من معركة، ومن أفضل النصوص تلك التي كتبها عن شخصيات بعضها كان يرى فيها موضوعا دراميا يصلح لمادة صحافية، وسواء كان يكن لها الاعجاب أم لا، فإنه لا يتوانى عن تناول الشخصيات المثيرة للجدل مثل القذافي وصدام حسين وبورقيبة ووسيلة بن عمار وحتى فلاديمير بوتين.
في بيروت كان الصافي من بين الصحافيين البارزين ككاتب عمود ومقالة وبورتريه، وصاحب أسلوب متميز ولغة مختلفة عن أساليب الصحافيين والكتاب الآخرين المتشابهين، ولذلك لفت الانتباه إليه، وصار له اسم في عاصمة الصحافة العربية التي لم يكن من السهولة دخول عالمها الاعلامي واختراق حاجز النجومية فيها، إن لم يكن لدى الكاتب ذخيرة شخصية تسنده وتميزه عن غيره، وتغنيه عن وضع قلمه في محابر الآخرين. ولأن الصافي من طينة الصحافيين الموهوبين، فإنه تجاوز الامتحانات بسرعة، وتحول إلى نجم من نجوم الصحافة في بيروت على صفحات صحيفة السفير التي كانت في تلك الفترة تنافس جريدة بيروت الأولى النهار، وتعمل على أن تتجاوزها بإضافات من أقلام عربية من سوريا، فلسطين، العراق، مصر، تونس، ليبيا، والجزائر. ونجحت السفير في ذلك، وصارت “صحيفة العالم العربي في لبنان، ولبنان في العالم العربي”، ولكنها بدأت تسير في منحى آخر بعد العام 1982.
وفي السفير فتحت له آفاق اخرى واهم شيء جولات افريقيا بكل دولها تقريبا ثم إصدار كتاب مثلث الشياطين الاستوائي عن الموساد والماسونية والمرتزقة.. كذلك مذكرات أحمد بن بلة حال خروجه من السجن، وقد نشرت في اكثر من عشر صحف من بينها التايمز، واشرف على ترجمتها وتسويقها الكاتب مصطفى الحسيني. ويعتز الصافي حتى اليوم بجولة افريقيا، حيث وقف على أسرار مآسي افريقيا التي خلفها لها الاستعمار الفرنسي، وشكلت له تلك التجربة درسا ثمينا في مساره الصحافي وهو شاب ما يزال في أول الطريق، وهو حتى الآن يستعيد تلك المحطة حين يتعامل مع مسألة ما من زاوية جيوستراتيجية. وهو من بين قلة من الكتاب والصحافيين الذين لديهم نظرة خاصة إلى أفريقيا ومكانتها، وذلك من منظوره وحسه الوطني العالمثالثي، ولذلك كانت افريقيا عنوانا لأحدى مطبوعاته التي اصدرها في تونس (مجلة افريكانا). ومن بين صفات الصافي أنه رجل لا يستطيع أن يكون بعيدا عن القضايا الكبرى والرجال الذين هم على صلة بالأحداث الكبرى ومجرى التاريخ، ولذلك ربطته علاقات بعرفات والقذافي واحمد بن بله، وعبد الرحمن اليوسفي، وحسين آيت أحمد..الخ. وكتب عن هؤلاء القادة في اللحظات الصعبة، ومن ذلك مقاله الشهير عن الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال حصار بيروت تحت عنوان “النبي الرابع”، والتقاه عرفات في استراحة ما بين معركتين وشكره، وتطدت العلاقة بعرفات خلال حصار بيروت وصار يزوره في مخابئه في الصنايع او في المشفى الأميركي ثم زاره في صرابلس خلال الحصار الثاني وحربه مع حافظ الأسد، وذهب إلى هناك عن طريق البحر من قبرص، وعاد إلى تونس بعد 21 عاما من الغياب المتواصل وذلك نزولا عند رغبة عرفات الذي رافقته في طائرته الخاصة من المغرب. وهذه قصة اخرى اذ كان التقاه مرارا في ليبيا او المغرب او الجزائر. وفي قضية لوكربي لعب عرفات الدور الابرز والمهم بين كلينتون والقذافي وقد كانت الوساطة من اقتراح الصافي على عرفات كما على القذافي وهكذا عمل ساعي بريد بينهما لمد تزيد عن عامين، وكان عرفات هو الذي اقنع كلينتون بفتح الحوار، وهذه أيضا قصة طويلة ولدى الصافي وثائق ورسائل من الطرفين.
حين تدخل الاطلسي في ليبيا عام 2011 سألت الصافي سعيد عن رأيه في مستقبل ليبيا، كان متشائما. واعتبر ان ضرب القذافي ستكون نتائجه كارثية مثل الاطاحة بصدام حسين، وما تركه على العراق من تداعيات سلبية انعكست اقليميا ودوليا. ولم يكن الصافي يخفي علاقته بالقذافي حين كان يعمل في مجلة “كل العرب” من باريس، وشكل مرجعا حول ليبيا ومنطقة المغرب العربي. ومع أن محطته الباريسية لا تقل غنى وأهمية عن محطة بيروت، فإنه عاد إلى تونس في بداية تسعينيات القرن الماضي وكان طموحه تأسيس صحيفة يومية ذاتب بعد مغاربي عربي، ولكنه لم يعثر على شركاء ماليين قادرين على خوض هذه المغامرة في فترة ما بعد حرب الخليج الأولى التي هزت العالم العربي. وفي تونس لم يتوقف عن الحلم بالمشاريع الصحفية واستمر في الكتابة وانجز عدة سير لبورقيبة والقذافي وروايات.
راودته السياسة على الدوام، ولم تكن الأبواب مفتوحة خلال فترة حكم زين العابدين بن علي، وحين دخلت تونس المسار الديموقراطي وجد نفسه يسير مع التيار فاقتحم المعمعمة من أوسع أبوابها، فترشح لرئاسة الجمهورية ولكنه لم يصل إلى قصر قرطاج الذي يحتاج إلى عملية معقدة تعتمد في صورة أساسية على التحالفات التي لا يزال الصافي يقع خارجها، ولكنه استطاع أن يصل إلى المجلس النيابي كنائب مستقل في الدورة الأخيرة والحالية، وهو يعد من بين النواب المشاغبين الذين يعلو صوتهم في جميع المناسبات الوطنية والاقليمية، وهذا زاد من شعبيته ورصيده ورفع من منسوب الحلم لديه ولذلك أبقى على الوزارة والرئاسة نصب عينيه. وهذا أمر ليس بالبعيد في ظل ما تعانيه تونس من استقطابات حادة بين الأحزاب السياسية، الأمر الذي يترك مساحة تحرك واسعة للمستقلين الذين يبدو الصافي سعيد من أكثر المعبرين عنهم، ويظهر ذلك من خلال تصدره المشهد الاعلامي بخطاب يستهوي الشارع العام، حيث يسثمر إلى أقصى حد في الهامش الذي صنعه لنفسه كنائب مستقل، ولذلك فإنه حاضر في كل شأن بحسه الاعلامي ليمرر الرسائل التي يريدها للشارع عندما يقدم نفسه على أنه يتحدث بعيدا عن التكتلات الحزبية والمصالح والمنافع الذاتية، وبين كل جملة وأخرى يردد لازمة “ثقة الشعب” و”الخطر المحدق بالبلد”، وهو هنا يبدو بارعا في غزل الخطاب الشعبوي الذي يستهوي فئات واسعة من الشارع الذي يعوم في بحر هذا الخطاب، والدليل على ذلك انتخاب قيس سعيد لرئاسة الجمهورية من خارج الكتل الحزبية، ولاشك أن ذلك أنعش من آمال الصافي الذي يمتلك ذخيرة شخصية لمتابعة هذا المسار الشاق اكتسبها من خلال عمله الصحافي ومعايشته للسياسيين خارج تونس وداخلها، وبذلك صار يحفظ عن ظهر قلب أصول اللعبة التي وصفها بأنها تقوم على الدسائس ( أنا قارئ وكاتب متخصص في هذا العالم) ويقصد بذلك مناورات الكواليس، وكل ما يصدر عنه من مواقف يرسم بورتريه لوزير خارجية، وكونه مهموم بالمسألة الليبية فإنه حاضر البديهة طوال الوقت، وبالنسبة له ليست هناك دبلوماسية تونسية في الوقت الراهن أو انها في أحسن الأحول عند نقطة الصفر، وعندما يتعلق الأمر بليبيا فهي دبلوماسية بكماء، لأنها لم تتلق الدعوة لحضور مؤتمر برلين مثلا ومع ذلك صمتت، وكان يجدر بها، حسب الصافي، أن تفرض نفسها. ويرى ذلك تعبيرا عن العجز والتخلي عن ليبيا، وقبول تونس بدور التابع في حين أنها تستطيع أن تمسك بزمام الملف الليبي (ليبيا بلدي، وأمني القومي كتونسي من طبرق إلى طبرقة).
وفي بداية العام كان الصافي على مقربة من رئاسة الحكومة، وتداولت وسائل الاعلام اسمه بين المرشحين ليخلف رئيس الحكومة التي سطقت (حكومة الحبيب الجملي)، وظهر الصافي في تلك الفترة كمرشح صاحب برنامج إصلاحي يأخذ بيد تونس، ولكن الحياة السياسية هي الأخرى كما هو العمل في الصحافة مليئة بالمتاعب، وتعرض الصافي إلى هجمات واسعة حين استعمل تحت قبة البرلمان تعبير “لقطاء العولمة” في وصف وزراء يحملون جنسية دولة أخرى (مزدوجي الجنسية). وفي حين استخدم هو تعبير منظر بوتين الكسندر دوغين، فإن التفسيرات المباشرة وضعته في مواجهة مع المهاجرين التونسيين الذين يحملون جنسيات أجنبية. والعبرة من ذلك أن الصافي في اول تجربة له تحت قبة البرلمان كاد أن يرتكب خطأ في حين أنه كان يتحدث من وحي فكرة ثقافية تخص تغير مفهوم المواطنة في القرن الحادي والعشرين، ذلك أن غالبية المواطنين الذين تتشكل منهم الأمم باتوا مواطنين أمميين.
وتبقى الديموقراطية لعبة نظرية في تجارب ما تزال في بدايتها، وعليه يبدو الصافي سعيد حتى هذا الوقت يسبح بمهارة في بحر السياسة التونسية التي تتكون من إرث الماضي الطويل، وما جاء به الحاضر الهش، وتشكل الذخيرة الصحافية والثقافية له السند الوحيد في هذا المعترك المليء بالمؤامرات والدسائس والحروب المعلنة والخفية، وما كان مغامرة من أجل كتابة كتاب، لا يصح على الحصول على كرسي في مجلس النواب. او وزارة في حكومة. وربما الرئاسة ذلك ما يطمح إليه الصافي الذي يبدو من خطابه الراهن أنه وضع قدمه على العتبة الأولى وهي دخول مجلس النواب الذي أتاح له تقديم نفسه في صورة رسمية، ما جعله يهدئ من نبرته وبدوره أخذ الاعلام يعامله على نحو مختلف عما كان عليه حين كان مشاغبا. وما لا شك فيه يبدو الشارع التونسي متفاعلا مع خطاب الصافي الذي صار يسلح قطاعات واسعة بمادة جدل في وقت بدأ فيه الاحباط يتسرب إلى المزاج العام بسبب المراوحة في المكان بعد 10 سنوات من الثورة.
المصدر: المدن اللبنانية
التعليقات مغلقة.