السخرية في زمن الوباء

بقلم: ريم القمري
منذ نهضت هذا الصباح وأنا أفكر عن ماذا سأكتب اليوم، كنت أحس أن هذا الوباء اللعين استنزف طاقتي حتى فيما يتعلق بالكتابة عنه، للحظة فكرت أنه سخر من العالم أجمع وحشرنا في الزاوية جمعا. لكن لا رغبة لي أن أسقط في السلبية، وأسمح له بالسيطرة على مشاعري وتوجيهها كيف ما يشاء، لأفكر إذا بطريقة ايجابية.
خلال أكثر من شهر ونصف من الحجر الصحي الاجباري الشامل، لاحظت أنه رغم الخطر والهلع الذي تسبب فيه فيروس كورونا لكوكب الأرض، والموت الذي ينشره أينما حل، يبدو أن الناس أفقدوه هيبته بالسخرية منه وإثارة النكات حوله، ونلاحظ هذا بشكل واضح في وسائل التواصل الاجتماعي. ومع أنه لم يتوفر للكثير من أهالي الضحايا حتى فرصة أخيرة لوداعهم، أو القيام بطقوس الجنازة والدفن كما يحب فان النكتة والصور الساخرة ومقاطع الفيديو المضحكة والمركبة والتي لم تشمل أخبار انتشار الفيروس فقط، بل طالت حتى الإجراءات والقيود التي فرضتها الدول، مثل السخرية من الحظر والسلوكيات المتعلقة بالتزود بالمواد الغذائية، وحتى السخرية من الذات. السخرية وسيلة انقاذ اتخذت السخرية من فيروس كورونا أشكال وأبعاد كثيرة، ووقع في كثير من الاحيان الربط بين الفيروس والمشاكل السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، أي أنه استخدم كوسيلة فعالة للنقد الاجتماعي، حيث نجد دعابات باتت متداولة بكثرة في جل البلدان التي عرفت بنسب كبيرة في الاصابة بالوباء، سخرية من فترة حضانة الفيروس الذي لسرعته هو أسرع من قطار الانفاق، وسخرية من الحجر الصحي وتشبيهه بالبضاعة وكأنه يباع ويشترى البعض الآخر سخر من حمى الشرّاء التي اجتاحت العالم أيضاً، بالتزامن مع فرض حظر التجول ،السخرية مثلا من التهافت على اقتناء ( السميد و الفارينة ) في تونس ، تهافت على شراء ورق التواليت في البلدان الاوروبية ( فرنسا و المانيا ) مثالا. لماذا يلجأ الناس الى السخرية في زمن الاوبئة؟
يعتبر الضحك لقاحا نفسيا وهو ما أثبتته أغلب الدراسات في طب، فالنكتة ووظيفتها الاجتماعية والسياسية في المجتمع. والسخرية والنكت لا تقتصر على زمن الأوبئة، بل تزدهر في جميع الظروف الاستثنائية التي تواجه الشعوب، لتخفف آلام الناس، فالضحك هو طريقة فعالة للتنفيس عن الضغط النفسي الهائل الناتج عن الخوف من المجهول. كأن الضحك هنا هو وسيلة لمواجهة عجزنا، وترميم ذواتنا انه نوع من “اللقاح النفسي” يزيد من مناعتنا، فالضحك هو واحد من العوامل المهمة التي تزيد من المناعة المطلوبة لمواجهة الأوبئة.
وان كانت عبارة “النكتة لقاح نفسي” تعبيرٌ أدبيٌ إبداعيٌ، ولا علاقة له بالعلم أو الطب فهي برأيي تبين لنا مع ذلك وبوضوح أن النكتة بحد ذاتها وان لم تكن علاجا نفسيا بالمعني الطبي البحت. الا أنه يمكننا أن نعتبرها مهارة ذاتية أو بعبارة اخرى وسيلة دفاع أمام الاذى أو الاثار السلبية النفسية، التي قد تترتب عن حالة الوباء.
من الطبيعي جدا أن تتولد عندنا مشاعر سلبية زمن الوباء كالخوف والغضب والحزن، وروح النكتة كمهارة ستساعدنا لدرجة كبيرة في التخفيف من حدة هذه المشاعر السلبية، لكنها حماية مؤقتة وجزئية فقط، وسيضعف تأثيرها الإيجابي مع طول الوقت. لذا يؤكد أغلب أطباء وعلماء النفس على ضرورة “مرافقة استخدام النكتة بدعم وظائفنا النفسية الأساسية بأفكار وممارسات تزيد ثقفتنا بنفسنا وسيطرتنا على مشاعرنا؛ لكي نستطيع استخدام النكتة بما يخفف الاثار النفسية السلبية طويلة الأمد الناتجة عن تلك المشاعر السلبية الطبيعية، وهذا ما ينطبق على زمن الكورونا.” على الأرجح تعتبر النكتة وسيلة دفاع نفسية، ضرورية وأساسية لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها علاج كافي وفعال هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى علينا ألا ننزلق في السخرية الجارحة والاستهزاء والاستخفاف بمشاعر الآخرين.
جميل أن تساعدنا النكتة وروح الدعابة بشكل عملي، على تخطي زمن الكورونا بصحة جيدة وطاقة إيجابية. لكن يجب ألا نسقط في الاستهتار والتراخي عن اتباع الشروط الصحية للوقاية، المزج بين الصحي والنفسي هو طوق النجاة زمن الوباء.
التعليقات مغلقة.