حط ايدك وما تشيلها
بقلم: ياسر المصري
يا لكورونا الذي لا يرى بالعين المجردة، لكن ما لا يرى بالعين المجردة فتك بأكثر من ثلاثة أرباع أنظمة الدول الصناعية الكبرى، وشل النمو الإقتصادي والصناعي وأخر بعض الدول إلى عشرات السنوات إلى الوراء، لعل هذا هو فعل الكثير مما لا يُرى، لكن الكارثة أن يكون الذي يُرى أكبر من رؤيتنا ونود له أن لا يُرى حتى نبرر كل عجز وسوء فينا، من خلال التفنُن فيما لا يُرى بالعين المجردة وما يرى.
شيل إيدك من جيبتك كانت ترى وتسمع لكن كان أكبر منها سياسات الإحتلال الأكبر والأوسع، وكانت متعلقة بتفاهمات بين قطبين سياسيين في دولة الإحتلال لنهش مشروعنا الإنساني المتعلق بالحرية والعدالة والعيش بكرامة تليق بنا كشعب وجماعة وأصحاب إرث حضاري هو الأعمق في المنطقة، هب البعض صادقا متأثرا من هذه اللقطة وهب البعض الآخر غائرا في خلق قضية وتنصيبها الأولى في حياتنا وكأنه المصير والحكم والفضاء و القضاء متعاطفا أو ناقما فاهما او متفهما، لم يتفاعل ما نسبته أقل من واحد بالمائة مع اعلان قوى الإستعمار في كيان الإحتلال عن ضم أراضي من الوطن المذبوح من الوريد إلى الوريد، وللأسف قد تأتي بعض هذه التفاعلات مع شيل إيدك وحط أيدك من دوافع ظاهرها وطن وقيم وأخلاق ومبادئ وغير ذلك مما يُسوق وفق التكييف الذي يليق مع كل موقف وصورة ولقطة والصادقون الطاهرون حتى وإن توافقوا مع هؤلاء فأن توافقهم يكون مختفي في فن إبراز الإدعاء وسيلة لإظهارالقربى والتقرب لذات وطن ينهش ويذبح من الوريد إلى الوريد وأحيانا بسكين هؤلاء المدعين.
واليوم يداهمنا الإعلام بخبر وتفاعلاته الجبارة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، قرار بقانون متعلق بتقاعد بعض الموظفين العموميين، لتسرق وتخطف هذه القضية الضوء عن القرار القضائي في دولة الإحتلال والمتعلق بتجميد 450 مليون شيقل، وكأن الصورة أصبحت بالمقلوب هل معنى ذلك أن الإحتلال لا يستفزنا ولا يثير فينا حب القيم والأمانة والوطنية اما كل ما يتعلق بعيوب هذه السلطة فهو الأجدر والأولى وهو البوصلة لتعريف وطنية المبدعين في الإحتجاج واللعن والسب والحرص. وحتى لا أكون مع هؤلاء هل يتوجب علي أن أرفع شعار حط أيدك بدل ما تشيل أيدك، هل يتوجب علي حتى لا أكون مع هؤلاء أن أعلن بأنني مع قرار بقانون ولست ضد قرار بقانون، إن كان كذلك فإني مع حط أيدك على الحقيقة وما تشيل ايدك لتنثر التيه والتضليل الذي في بعضه مقصود وبعضه بريء، وحط ايدك على كل الهم وما تعمل على جعل التناسي وسيلة تسترك خلف شعارات براقة خاطفة للقلوب عامية للعقول، حط أيدك على كل الحلم وليس على بعضه، نريد وطن كامل الحرية والإستقلال وأول مسؤول عن كل الفساد والظلم هو الإحتلال، حط أيدك على وثيقة شعبية تنهي كل هذا النظام الذي تحول إلى عبء وطني وأخلاقي على الناس والشعب، فنحن نريد دولة ولا نريد سلطة، نريد برنامج سياسي قابل للتحقق ويعمل على إنهاء الإحتلال، ولا نريد سلطة عمل الإحتلال على تفريغها من مضمونها السياسي والقيمي الذي أنشأت من أجله، ليس اللص هو ذلك الموظف الذي سقط في التيه، بل إن اللص ذلك الذي سرق حلمي بالحرية والدولة وخلق لي بديل عن الحلم وظيفة سخيفة تجعلني تائها ما بين مجموعة صغيرة من المصالح وقيم عظيمة لم يحملها يوما سوى من كانوا أهلا للذكر والذكرى والسير والمسيرة.
لا يوجد منا من هو مع سرقة أي فلس أو سنت من قوت هذا البلد، وحتى لا تتوه معاني القيم بحجم الشعارات الخفاقة والبراقة التي يوازنها من يقصد السوء أو من يجهل الخير أو من يزرع الحب صافيا وصادقا، لكن الوطني ليس المقاتل والمحارب فحسب بل هو ذلك الذي لا يقبل الأذى لأهله وشعبه، فليس مطلوب من الناس أن تمضي شهداء ليبثوا وطنيتهم بل يكفي أن لا يقتلونا بالأذى أو الجهل، فإن محاربة الفساد والفاسدين المجرمين ليس عنوان لإثبات الوطنية بل هو مسلمة أولية وأساسية لدى أي إحساس بالمسؤولية الوطنية، لكن اللص الصغير هذا الموظف الذي يعبثُ فسادا وتيها لم يأتي سوى من نظام كرس له فرصة السقوط في التيه وفقدان الهدف السامي عبر التمسك بنظام أسقط الإحتلال مشروعه السياسي القائم على أساس حل الدولتين، فما هي قيمة النظام السياسي( تجاوزا رغم ان السلطة لا يمكن لها ان تكون نظام سياسي طالما أنها تحت إحتلال).
نعاتب الشعوب التي يسوق الإحتلال سمومه بدعواته للتطبيع معها ككيان طبيعي بالوجود، ونهب في بعض موجات التفاعل المُنكر والمُدين لهكذا سقوط يتم لدى البعض، وننسى أننا نحن الذين مازلنا نشرع هذا الكيان رغم تنكره لنا كجماعة ذهبت بأغلبتها لقبوله على أمل أن تنال على حقوقها بالدولة والحرية والإستقلال، فكم يكون ملائما أن تُنظم هذه الأصوات الفلسطينية لتطالب بإسقاط فكرة الإعتراف بالإحتلال ككيان (عبر حل للسلطة وإلغاء كامل الإتفاقيات الموقعة مع الإحتلال من خلال ما يكون بديلا لخروج المسيرات شعبية العارمة ولتكون هذه الفعاليات أو النشاطات إحياء لروح أمة كاملة ذات رسالة خالدة، بديلا عن النقد والإكتفاء بالبيانات التي يمكن أن يقوم بها أي فئة أو قطاع او شخص) ويكون ذلك متزامنا مع إعلان الضم الذي تنوي حكومة الإحتلال إعلانه في تموز القادم(أي بعد ما يقارب الشهرين). ولن أكون إلا مع “حط أيدك” ولن أكون مع “شيل إيدك”
التعليقات مغلقة.