نعم أنا لا أحب «عزلة الكورونا ” لذلك لم أكتب

بقلم : ريم القمري
أعتقد أن الكتاب والشعراء عموما ، يملكون تلك القدرة العظيمة ، وهي القدرة على البقاء في البيت، للكتابة . والانقطاع عن العالم الخارجي ، والتفرغ تماما للكتابة والقراءة. بل ان جل ما يتمناه كاتب ، أن يجد الوقت الكافي للانعزال عن العالم، دون التفكير في ضرورة القيام بأشياء الحياة الروتينية والمملة والتي تشغله، في كثير من الاحيان عن الكتابة والتفرغ التام لها. شخصيا كثيرا ما كنت أفكر في ان التفرغ للكتابة والقراءة ، في عزلة شبه تامة. هو حلم حياتي الذي ربما ، و ان أسعفني العمر، وبلغت سن التقاعد ، وانا لا أزال على قيد الحياة .
سأكرس له السنوات القليلة ، من العمر التي قد أحضي بها بعد الستين. لكن لم يخطر ببالي يوما، أن تهبني الحياة والاقدار هذه الفرصة ، فرصة ان اخوض هذه التجربة وقبل بلوغ سن التقاعد بكثير نعم وهبني القدر فجأة هذه الفرصة لأجد نفسي، ألازم البيت وامامي فرصة لأتفرغ تماما للكتابة والقراءة. واعترف أني في الايام الاولى من بداية الحجر الصحي الاجباري الذي فرضته ازمة كورونا ، أحسست باضطراب نفسي كبير وحيرة ، بل هي مزيج من الخوف والاستغراب.
حيث تتشتت الافكار والرغبات داخلي. وان كنت شخصا يحب عادة البقاء في البيت، في الظروف العادية ، و ذلك داخل عالمي الخاص، المرتب بدقة حسب رغباتي وميولي وحاجاتي. فأن يتوفر عندي عدد هام من الكتب التي كنت برمجت قراءتها، ولم يسعفني الوقت بسبب ضغط العمل.
وان يكون جهاز الحاسوب في حالة جيدة ويعمل دون مشاكل، بالنسبة لي هذا أشبه بجنة صغيرة يمكنني ان اكون داخلها بأمان تام. كل شيء داخل عالمي كان مرتب، وكما أرغب في ذلك، وامتلكت الكثير من الوقت لأرتب الكتب داخل المكتبة بطريقة تسمح لي بوضع جدول دقيق للقراءة. خاصة الكتب التي كنت أبدأ بقراءتها ثم لسبب ما أهجرها، وتبقي غير مكتملة داخل ذهني ، كانت من أولويات القراءة عندي في البرنامج وهذا سمح لي ايضا باقتناء قطع أثاث جديدة ومناسبة ، لأني اكتشفت فجأة ان كل الاثاث في بيتي ومكتبتي بحاجة ماسة، اما للتغير أو اعادة الترتيب. قرأت الكثير، وعثرت على كتب لم أكن أعلم أنها كانت بحوزتي ، وتخلصت من كل الفوضى التي كانت تهيمن على البيت.
واكتشفت أنى كنت قادرة فعلا على الترتيب وفي زمن قياسي، فأجاني جسدي بقدراته على العمل بنشاط. وانا كنت أظنه خامل لا يحسن الا الجلوس في المكاتب ، او قيادة السيارة وكان هذا اكتشافا أسعدني كثيرا. وفي بداية الحضر وضعت مشاريع كبرى علي انجازها ، وفكرت ان هذه الفرصة التي قد لا تتكرر بالنسبة لي قبل سن التقاعد إذا بلغتها طبعا . لذلك فكرت أن أكتب، أكثر و أكثر و أن اركز على مشاريعي الادبية، أن انهي ديوان شعر و أن أراجع مجموعتي القصصية ، و أن أبدأ في كتابة رواية كنت في كل مرة أؤجلها و أجزم أن وقتها لم يأتي بعد.
و في الواقع ما صدمني هو وصولي سريعا الى القناعة التالية: أن الكتابة متى ما كانت خيارا شخصيا فهي متعة كبرى، و رغم كل ما فيها من تعب و شقاء فاننا نقبل عليها بحب كبير، و يتحول البقاء في البيت و العزلة التامة للقيام بها متعة بدوره. لكن الفرق يبقي كبير بين عزلة يختارها الكاتب برغبته و اختياره، و بين عزلة تفرض عليه فرضا .
عزلة يجد نفسه محشورا داخلها ليحمي نفسه من المرض و الموت ، و هنا يختلف الامر كثيرا . لان الكاتب لا يمكنه بأي حال ان يكتب تحت الطلب أو الضغط، و شبح الموت يهدده . الكتابة عالم اختياري للكاتب، منفصل عن العالم . ولكنه في ذات الوقت متواصل معه ؛فكيف سنكتب في هكذا وضع؟ وأي قدرة على الكتابة الادبية، تحت ضغط الاخبار والوباء والعدوى؟ أعتقد أننا مهما حاولنا في وضع الحجر الصحي أن نكتب، شعرا أو أدبا ،سنفشل. لأننا ذوات شديدة الحساسية حول ما يحصل من حولنا ، وعلينا ان نعيشه كما هو لنكتب عنه.
في مراحل لاحقة، أما الان فلا نملك القدرة على ذلك مهما حاولنا. يمكنني ببساطة أن اتفرغ للكتابة بسهولة كبرى وسأكون سعيدة جدا ، لو استطعت تحقيق ذلك وقبل أن أبلغ سن التقاعد بكثير. تلك أمنية ، ولكن العزلة والتفرغ الذي أعنيه ليس بأي حال من الاحوال “عزلة الكورونا” . والغريب أني عندما كنت أعود الى بعض النصوص الشعرية، او النثرية التي كنت قد كتبتها سابقا . أشعر وكأنها غريبة عني، ولا تشبه روحي وحالتي النفسية، لدرجة أني كنت كثيرا ما أفكر في اتلاف كل الملفات ، التي احتفظ بها على حاسوبي.
ولاني كائن ورقي بالأساس ،كان لا بد لي من الكتابة ، حتى استطيع الاستمرار ، و حتى أحس باني بخير ، و انه بامكاني تجاوز كل هذا ، فالكتابة في النهاية هي قدر و لا يمكن أبدا تجاوزه. قررت ان اواجه الكورونا بالكتابة عنها ، و لم بكن امامي الا العودة لكتابة المقال الصحفي. أصبحت أقتفي أخبار هذا الفيروس اللعين و أكتب يوميا مقال ، كشكل من أشكال المقاومة. و جعلت من هذا طقسا يوميا، أبدا به يومي اصفي حسابي مع الوباء ، ثم أمر لاستكمال يوم اجعل له ، اشغال مختلفة و متنوعة.
شاهدت مثلا افلاما ومسلسلات على Netflix خاصة تلك التي أحدثت ضجة اعلامية كبيرة، جربت العديد من البرامج الحديثة التي كنت اسخر من مستخدميها ، سابقا مثل Snapchat ticktick كما أجرت العديد من المحادثات عبر الهاتف مع أصدقاء الكاتب والشعراء، من هنا ومن أمكان آخر. تواصلت أيضا مع أصدقاء الطفولة ممن فقدت التواصل معهم من فترة طويلة، حتى أنى كدت أقع في الحب مرتين ثم تراجعت. و كتبت يوميات طريفة باللهجة العامية أحبها الاصدقاء على الفيسبوك، و طبخت اكلات ناجحة ، رغم عدم حبي الشديد للمطبخ .
فعلت كل هذه الاشياء، و قد أحتاج للقيام بأشياء اخرى أجهلها بعد ، لكني فشلت في أن أكتب قصيدة جديدة ، أو قصة و لم أكتب حرف في روايتي الحلم. و اقتنعت أني أحب، العزلة للكتابة، لكن ليس “عزلة الكورونا “.
التعليقات مغلقة.