“الحرقة” تجارة الموت في زمن كورونا

بقلم : ريم قمري
الخبر كالاتي: “وحدات الحرس البحري بجهة صفاقس، تتمكن من إنقاذ 42 مهاجرا غير شرعيّ من أصول إفريقية، كانوا ينوون الهجرة في اتّجاه السّواحل الإيطالية، على متن قارب بسواحل اللّواتة التّابعة لمعتمدية العامرة من ولاية صفاقس، ويوجد ضمن ركّاب القارب 15 امرأة و3 أطفال”. كان يمكن ان يكون هذا الخبر عادي جدا، ولا يدعو مطلقا للاستغراب أو التعجب، لو أنه فقط حدث في فترة ما قبل انتشار وباء كورونا.
لكننا اليوم عندما تطالع هكذا خبر، في وسائل الاعلام، تصاب بالذهول، ونبقى مشتتي الافكار للحظات وتتسأل من حيرة كبيرة، لماذا يفكر البعض في الهجرة غير الشرعية واجتياز السواحل في قوارب الموت، في اتجاه بلاد مثل ايطاليا يعتبر بمقياس الوباء، بؤرة لجائحة كورونا؟ وأي حياة يحلمون بها في بلد يتخبط تحت وقع الموت والمرض القاتل؟ ربما ما يدور فقط في أذهان المهاجرين اليوم هو ان وباء كورونا قد يمثل غطاء مناسبا ويجب استغلاله، هو انشغال اغلب حكومات بلدان العالم، بتكريس كل جهودها وطاقاتها لمقاومة، ” الكورونا” وما ينجر عنها من تداعيات صحية، واقتصادية وغيرها، مما يوفر غطاء لهم يمكنهم من الوصول بأمان، ودون ان يتفطن لهم حرس الحدود البحرية، كما ان السلطات الإيطالية وهذا حسب اعتقادهم، ستكون عاجزة عن تحمل عبئ احتجازهم، مما قد يمنحهم فرصة للاندماج ربما داخل المجتمع دون مشاكل كبيرة. الهروب من الموت نحو الموت اننا امام تفشي ظواهر اجتماعية يمكننا ان نتصلح على تسميتها بظواهر فيروس كورونا وقد تفشت هذه الظواهر خلال فترة الحجر الصحي العام، ولن نتحدث هنا عما البعد اللاأخلاقي ولا انساني والجشع الكبير لربح المال، فهذا لا يحتاج لشرح لشدة وضوحه.
انها جرائم اراها شخصيا ترتقي الى مرتبة جرائم الحرب، ابطالها مستكرشي الحروب والأزمات الذين استغلوا أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد في البلاد لتنظيم عمليات “حرقة داخلية” بين مختلف ولايات البلاد. ويقوم مرتزقة المال بتنظيم «الحرقة بين المدن” بتهريب أشخاص يخرقون اجراءات الحجر الصحي العام ويتسللون من ولايات إلى أخرى، وتكررت هذه الجرائم بصفة كبيرة، في المناطق المصنفة بالموبوءة، على غرار منطقة ضفاف البحيرة بالعاصمة وجزيرة جربة. انها جرائم صحية لا تقل اجراما وخطورة، عن العمليات الارهابية التي تستهدف المجتمع والأفراد، أثمان زهيدة وضئيلة مقابل المبالغ المتعارف عليها قبل زمن الكورونا، تصل إلى حدود 300 دينار، كأن تجارة الموت تكسد لكنها لا تبور، يقوم مهربو رافضي إجراءات الحجر الصحي ،بنقلهم من مدن مصنفة بالموبوءة إلى أخرى، غير عابئين بخطورة عدوى الفيروس، وانتشاره بين المدن ، ليقذفوا بهم في رحم المجهول المحفوف بالمخاطر، مجهول لا يمكن ان يكون الا الموت المحقق ،فلو نجو من الموت غرقا فهل ، سينجون من الموت بوباء كورونا؟.
رحلات موت تتم في وضع يفترق مسبقا لكل أسباب النجاة، مسافرون يقع تهريبهم من مناطق موبوءة مما يعني أن عدد كبيرا منهم، يمكن ان يكون مصاب بفيروس كورونا، يحشرون في قوارب شراعية صغيرة، يتكدسون فوق بعض، مما يساعد على انتشار العدوى في صفوفهم، يهاجرون في اتجاه بلدان ايضا موبوءة، انه باختصار هروب من الموت في اتجاه الموت، في أبهى تجلياته. أي غطاء يملك مهربو الموت؟ الواضح اليوم وبشكل جلي، هو ان مهربو الموت، لا يمكنهم التحرك بكل هذه الراحة، والاستمرار في تجارتهم الاخلاقية واللاإنسانية، الا إذا ما توفر لهم غطاء يحميهم ويسهل تحركاتهم، كأن يتحصنوا مثلا بتراخيص تنقل أمنية، أو أنهم موظفون بالدولة يستقوون بصفة “زميل”، على كل الإجراءات الوطنية، بما فيها المتعلقة بالوضع الصحي العام. كان وزير الصحة السيد عبد اللطيف المكي أكد بدوره في أكثر من لقاء تلفزي على موضوع “التهريب بين المدن” مؤدا حاضر بقوة في مجلس الوزراء ومثل محورا هاما لفحوى محادثات رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ مع أعضاء حكومته. وقد كان وزير الخارجية خلال ندوة صحفية مشتركة مع وزير الصحة يوم الثلاثاء 7 افريل قد صرح “سنطبق القانون على كل من يستهتر بإجراءات الحجر الصحي وحظر التجول، وهو ما يعني الايقافات والإقامة الجبرية “، مشددا على أن ” تطبيق القانون ليس بغاية التضييق على الحريات، بل لحماية ما تم تحقيقه في إطار التحكم في انتشار الوباء” مضيفا “ان كل شخص يتعمد نقل الفيروس للآخرين تتم متابعته قضائيا على معنى فصول المجلة الجزائية، ويعتبر ما قام به قتلا على وجه الخطأ.” هذا وقد أقرّ مجلس وزاري مضيّق انعقد ظهر اليوم الأربعاء 8 أفريل 2020 بقصر الحكومة بإشراف رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، جملة من الإجراءات الإضافية للحدّ من ظاهرة خرق الحجر الصحي ومزيد التحكّم في انتشار فيروس كورونا. وجاء فيه حزمة من الاجراءات التالية .
ـ مزيد تنظيم عملية إسناد تراخيص الجولان.
ـ إقرار عقوبات مالية للمواطنين الذين لا يحترمون الحجر الصحي. ـ منع التنقلات بين الولايات وعزل المناطق التي تُعلنها وزارة الصحة مناطق موبوءة.
ـ إقرار يوم الجمعة 10 أفريل عطلة استثنائية للحدّ من حركة الجولان والاقتصار على الضرورة القصوى بما يمكن من التحكم في انتشار الفيروس.
ـ تكوين فريق عمل في مستوى وزارة الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة يضمّ مُمثلين عن مختلف الوزرات المتدخلة والديوانة التونسية لتصنيع الكمامات الطبية الواقية وترويجها بالسوق الداخلية وتحديد أسعارها.
ودعا رئيس الحكومة إلى توظيف جهود كل مؤسسات الدولة في مكافحة الوباء وإلى الصرامة في تطبيق الإجراءات وإلزام الجميع بتطبيق الحجر الصحي الشامل وكل القرارات المعلنة في إطار مجابهة فيروس الكورونا. أزمة تفشي فيروس كورونا الجديد في كل بلدان العالم ستشكل نقلة نوعية في تاريخ البشرية المعاصر وهي فترة سيخلدها التاريخ البشري بإرساء مجموعة جديدة ومستحدثة من ظواهر اجتماعية سيتم ارساءها ظواهر بكل سلوكياتها الايجابية والسلبية وسترسم ملامح عالم جديد سيختلف كليا وجذريا عن عالم اليوم وقد نتفاجأ في قادم الايام بميلاد انسان ما بعد زمن الكورونا .
التعليقات مغلقة.