زمن كورونا القاسي

بقلم ريم قمري
يبدو أنه أصبح لزاما علينا في كل مرة العودة لموضوع دفن موتى وباء كورونا، وكأن الموضوع أصبح لازمة تتكرر في كل مرة تسقط فيها ضحية جديدة من ضحايا هذه الجائحة، التي تحصد الارواح عبر العالم في نسق متسارع.
إذا اشكالية دفن موتى الكورونا أصبح موضوع الساعة، الى درجة تفوق فيها ربما على أي اخبار اخرى متعلقة بهذه الجائحة الرهيبة، ونتائجها المادية والمعنوية وحتى الاجتماعية والاخلاقية.
في مجتمع طالما كان فيه للموت قداسة كبيرة، ولحرمة الموتى اعتبارا اخلاقيا كبيرا، مجتمع مبني على منظومة أخلاقية تعتبر الموت خطا أحمرا وتؤمن ايمانا قطعيا أن اكرام الميت دفنه.
كورونا فيروس الموت
ارتفاع عدد ضحايا فيروس كورونا عبر العالم، شكل صدمة كبيرة لجل المراقبين من أطباء وعلماء وسياسيين وحتى مواطنين عادين، صفعة صادمة، وكان يشبه ورقة التوت التي عرت الانظمة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، لبلدان ( اوروبا الغربية مثالا) كانت تعتبر نماذج يقتدي بها سائر بلدان العالم خاصة بلدان العالم الثالث.
حطمت كورونا هذه الصورة النموذجية التي كنا نتخيلها ونتصورها مثلا عن الانظمة الصحية، ومتانتها وتماسكها خاصة بأوروبا والولايات المتحدة، بلدان وقفت عاجزة أمام هذا الفيروس وهجمته الشرسة.
اضافة الى ذلك شكلت محدودية الامكانيات في تونس، وخاصة في قطاع الصحة هاجسا كبيرا عند أغلب المواطنين، تحول الى رهاب عند البعض، وهو ما يفسر استفحال أزمة دفن الموتى التي تحولت في أحيان كبيرة الى صدام عنيف بين المواطنين والأمن وذلك في عديد المناطق (بنزرت ثم باجة بالأمس)، حيث تعذر دفن متوفى من جراء فيروس كورونا مدة ثلاثة أيام.
و الجدير بالذكر أن النيابة العمومية أصدرت ببنزرت بتاريخ 1-4-2020 أوّلا: بطاقة إيداع بالسجن في حق المرأة التي شتمت الأمنيين وحرّضت الناس على منع دفن المرأة المتوّفاة بفيروس الكورونا (في مدينة بنزرت)، وثانيا: بطاقات إيداع بالسجن في حقّ مجموعة من الرجال الّذين شاركوا في أحداث العنف ضد الوحدات الأمنية في الجنازة.
رهاب الموت
ولكن ما الذّي قد يدور في ذهن امرأة ويدفعها لعدم احترام الموت كحدث جلل، يزلل الكيان ما الذي يجعلها تمتلك الجراءة والقوة للوقوف في مواجهة قوّات الأمن دون الخوف من العقاب؟
وهو ما تكرر أمس في باجة وتحديدا في منطقة السلوقية، من عنف لفظي ومعنوي تطور الى الرشق بالحجارة، كان المواطنون أصبحوا لا يقيمون وزن لأي سلطة أو قانون، بل أكثر من ذلك يجنحون للعنف إذا تطلب الامر.
هل يمكننا ايجاد إجابات علمية وتحديدا نفسية لهكذا تصرفات وأفعال، او ربما هو دليل قطعي على الحالة النفسيّة المتسمة بالقلق والذعر من الموت السبب بكل بساطة؟
مجسما في الافراط حد المبالغة من الخوف من العدوى؟ هل يمكننا أن نعلل هذا السلوك العنيف لشريحة من المواطنين بأنه ببساطة جهل بطبيعة وحقيقة هذا المرض؟ أو هو ببساطة تجسيد لأزمة الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة في قطاع الصحة والامن وغيرها من القطاعات الحساسة والتي في علاقة مباشرة اليوم مع الموطن خلال هذه الازمة.
أزمة ثقة
ان العقلية المترسخة لدى أغلب من الناس، تحتكم الى افكار مسبقة وغير دقيقيه، بل غير علمية بالمرة، وطالما اعتبرت أن أي وباء هو بالضرورة (كوليرا .. الموت الاسود ..الهواء الاصفر) وغيرها من الاوبئة التي عرفتها الانسانية عبر تاريخها.
اعتقاد ترسخ في الاذهان، وهو ما انجر عنه قناعة ثابته أن المصابون بالوباء يجب ضرورة حرقهم، ويستحيل دفنهم في المقابر بطريقة عادية ( كما كان يحصل مع مصابي الطاعون قديما ) .
وهو ما قد يفسر ردّ الفعل العنيف الذي حصل دون الاهتمام لآراء الأطباء المختصين أو تصديق تصريحاتهم وتطميناتهم التي تكررت في أكثر من مناسبة ومنذ بداية الازمة.
وفي الواقع فأنّ المسؤولين عن إدارة الأزمة (من وزارت الصحة و الداخلية اضافة الى قطاع الاعلام والمجتمع المدنيّ) خطّطوا واستعدّوا نظريا و عمليا لجميع الاحتمالات ونقلوا المعلومة بحرص و بوضوح و حرص الاعلام بمختلف قطاعته على تبسيط المعلومة و ايصالها، من أرقام و احصائيات ، و طرق الوقاية و العدوى و غيرها الى جانب محاولات كثيرة لتوفير جانب الاحاطة النفسية في الكثير من البرامج الاعلامية سمعية و بصرية وغيرهم … حتى تصل المعلومة الى اكبر قدر ممكن من الناس و تكون متاحة و مفهومة لدى اغلب الشرائح الاجتماعية.
ربما كان يجب تركيز وتنظيم حملات توعية استباقية في فترة، ما قبل موت أوّل ضحية بالفيروس، تشرح أكثر الإجراءات الخاصّة بدفن الأموات في سياق الجائحة حتّى يتفهّموا الوضع بوضوح ودون لبس، خاصة ان الاحتجاجات كانت بدأت منذ مسألة الحجر الصحي الاجباري للعائدين من الخارج (حادثة حمام الشط كمثال وحادثة شط مريم لاحقا) أي ان الخوف كان منتشر مسبقا بين الناس.
كنا نحتاج ربما تركيز خلية أزمة نفسية واجتماعية، تركز على دراسة سلوكيات المواطن وردود افعاله في حال مواجهته لصدمة الموت الاولى جراء فيروس كورونا.
ان الاجراءات المتخذة من قبل وزارة الصحة في عملّيات التخلّص من الجثث سريعة ودقيقة لإزالة الفيروس من الجثة، وتتم في أوقات معلومة وتحت رعاية طبيّة ويظهر فيها الأعوان بملابس بيضاء تقيهم المخاطر…يُنزلون الجثّة بأدوات خاصّة تراعي مسافات الأمان أي ان امكانية العدوى تكاد تنعدم تماما.
كما ان طقوس تغسيل الميت، واقامة العزاء وكل تلك الطقوس ألغيت تماما، فالميت لا يسلم الى اهله ويذهب مباشرة للمقبرة، ولا يسمح بحضور الدفن الا لشخص واحد من عائلته.
كل هذه الاجراءات مفروض انها تطمن المواطن، ولا تجعل في ذهنه أي مجال للشك من امكانية انتشار العدوى.
ان زمن الكورونا قاسي بكل المقاييس، يحولنا الى مجرد أرقام في لائحة الحياة، يقطع مع الطبيعي والعادي، يغير سلوكياتنا واخلاقنا، زمن يجعلنا غرباء عن ذواتنا وعن الاخرين، زمن يكسرنا نفسيا.
التعليقات مغلقة.