رموز السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية ينشرون غسيلها… حذار من تدمير ما تبقّى من الدولة !

0 150

بقلم : مراد علالة

لم يستفق التونسيون بعدُ من صدمة فضيحة حاويات النفايات الايطالية وكذلك تقرير محكمة المحاسبات حول الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2019 وما رشح منها من اخلالات وخروقات تضرب في العمق نزاهتها، حتى انهمرت عليهم الأخبار غير السارة والحقائق المفزعة التي هي على درجة كبيرة من الخطورة وتنذر بزعزعة اركان الدولة وهيبتها وتغذي للأسف خوف الناس على مستقبلهم على هذه الارض التي عليها ما يستحق الحياة.

لقد اعتدنا صراحة ومنذ زمن بعيد، تحت قبة قصر باردو، على “نشر الغسيل” في المباشر وأحيانا في السر بين نواب الشعب منذ المجلس التأسيسي في 2011 فمجلس نواب الشعب في 2014 وصولا الى البرلمان الحالي الذي “اتحفنا” سكانه اليوم بكل ما لم نشهده من قبل من عراك وعنف وترهيب وترغيب وتشكيك و”تشليك” وتعطيل للعمل التشريعي.

وفي هذا الصدد تتنزل سلوكات وتصريحات النواب التي تؤكد ان مؤسستهم صارت مثلما يذهب الى ذلك حتى البعض منهم “عبء” على الديمقراطية التونسية وهو ما نتابعه هذه الايام على سبيل المثال في التعاطي مع الحكومة ومع مشاريعها القانونية واهمها بطبيعة الحال قانون المالية التعديلي 2020 وقانون المالية 2021.

وللاسف لا يقف نشر الغسيل عند نواب الشعب المتسلحين بالشرعية الانتخابية فها هم “رجال” الدولة يأتون بما هو أخطر حين يكشفون دون سابق انذار ان مرافق الدولة ليست على ما يرام ولا تسير مثلما يتوجب أن تسير. هذه الايام، وبمناسبة حضور الوزراء في البرلمان امام اللجان المتخصصة لمناقشة قانوني المالية في كنف الوضوح والشفافية، وُضعت بالفعل كثير من النقاط على الحروف لكن المرء يتساءل عن وجاهة ما حصل، وعن مشروعية الكشف عن المستور بهذا الشكل “المفاجئ” الذي يعيدنا مرة أخرى لرئيس الحكومة الاسبق حمادي الجبالي يوم تساءل “وين الحكومة وين الدولة” من كل هذا ؟ كما يُطرح السؤال حول ما يعرف بواجب التحفظ أو ربما جعل مثل هذه الجلسات مغلقة وسرية حماية للأمن القومي ولمعنويات بعض القطاعات وحتى عموم التونسيين وحتى لا تتحول المشهدية فقط الى فرجة مؤقتة نطوي بعدها الصفحة لنلتقي في العام القادم مع نفس الحصاد وربما أسوأ.

بداية الصدمات كانت مطلع الاسبوع الجاري مع وزير الخارجية ورئاسة الجمهورية حول ملف علاقاتنا بالاتحاد الافريقي حيث صارح الوزير الشعب بالدين المتخلد بذمة بلادنا والعقوبة التي نلناها فيرد عليه مسؤول برئاسة الجمهورية لينفي العقوية ويعترف بالدين مع “تعديل” وجهته الى دين قديم لا صلة له باشتراك 2020 ! والحال ان النتيجة واحدة وهي أننا في وضع غير طبيعي داخل فضاء اقليمي كنا من مؤسسيه.

دائما مع وزراء السيادة، وهذه المرة كشف وزير الدفاع خلال جلسة استماع امام لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح اول امس الخميس انه ثبت “تخابر من طرف بعض العسكريين بالجنوب مع جهات اخرى إما في علاقة بالإرهاب وهي حالات قليلة او في علاقة بالتهريب وهي حالات أكثر بقليل “. والأخطر في تقديرنا حين يكشف الوزير عن عزل عدد من العسكريين قال انهم من صغار الرتباء حديثي العهد بالمؤسسة لعدة اسباب اهمها التعامل مع مهربين وخاصة مسك واستهلاك المخدرات أي الان الامر مستجد على مؤسستنا العسكرية العريقة التي لها منزلة خاصة لدى التونسيين !

ولم تقف الامور عند هذا الحد، فها هو وزير الداخلية يتهم امام نفس اللجنة بعض المسؤولين الامنيين بخيانة ضمائرهم مقابل الاموال والتسبب في دخول المخدرات الى التراب التونسي والاهم في تقديرنا مرة اخرى انه توعد بالتصدى لعمليات التهريب مهما كانت مصادرها وبمحاسبة من يقف وراءها ومهما كانت مواقع تنفذهم . ومن يدري بماذا سيجود علينا بقية الوزراء عندما يظهرون تباعا في البرلمان للإدلاء بدلوهم في مجالات عملهم وبيان اسباب تعثر ووقف النزيف والانقاذ والانجاز والتجاوب مع انتظارات التونسيين كما اعلن عن ذلك رئيس الحكومة.

من جهتها لم تكن السلطة القضائية بمنأى عما تكابده بقية اركان الدولة، وبقدر ما قد يتعاطف المرء مع المطالب المادية المشروعة للقضاة وهم ينتفضون من اجل افتكاكها ويدخلون في اضراب مطول بخمسة ايام لتحقيق ذلك، بقدر ما يتساءل اين نحن اليوم من مقولة عبر الرحمان بن خلدون “العدل اساس العمران” بعد ما راج في عديد وسائل العلام وعلى شبكة الانترنيت من وثائق لم يصدر بعد موقف “رسمي” بشأنها.

والوثائق “المسربة منسوبة لاهم شخصيتين في سلك القضاء على الاطلاق اليوم بعد الوزير، وهما رئيس محكمة تعقيب ووكيل جمهورية وفي هذه الوثائق تهم خطيرة جدا تتصل بتعطيل ملفي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي وبالفساد المالي. في غضون كل هذا، يروّج البعض للحوار الوطني ويحاول البعض حتى استباق الامور وتحديد اطرافه وحرق المراحل والحال أن الظروف لم تنضج للجلوس حول نفس الطاولة بين أطراف مسؤولة عما نحن فبه واخرى تزعم ان لديها الحل واخرى تبحث عن موطئ قدم في التاريخ، وبين مكونات سياسية منهكة ومتصدعة تريد تصدير ازماتها الداخلية، واطراف مدينة واجتماعية ليست صراحة في وضع تنظيمي وجماهيري يسمح لها بدور القيادة في الاوضاع الراهنة وهو ما قد يشكل مقدمة للفشل وتابيد الأزمة و”تبرئة ذمة” المقصرين في حق الدولة، في حق الجمهورية المدنية الديمقراطية الاجتماعية، في حق تونس وشعبها.

المصدر: الصحافة 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.