أيّهما أمْضَى واشنع، فِقه أهل التبرير أم مُدية كل ذبّاح ضحوك ؟

0 64
بقلم : مختار الخلفاوي
كلّما رأيتُ مشهد ضحيّة يجثو على ركبتيْه بين يديْ ذبّاحه، تذكّرت صورة “الجعد بن درهم” وهو يُنحر، عند أصل المنبر. حين ولي “خالد بن عبد اللّه القسريّ” الكوفة في عهد “هشام بن عبد الملك”، خطب أوّل أيّام الأضحى: “أيّها الناس. ضحّوا – تقبّل اللّه ضحاياكم – فإنّي مضحّ بالجعد بن درهم. إنّه زعم أنّ اللّه لم يتّخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلّم موسى تكليما، تعالى اللّه عمّا يقول الجعد علوّا كبيرا”. ثمّ نزل، فذبحه في أصل المنبر.
أتذكّر “الجعد” وقد استشهد من أجل إعمال عقله ورأيه. وأتذكّر كيف تعامل كتّاب السير والمؤرّخون مع جريمة الاغتيال البشعة بكثير من التشريع والبسط والتبرير. وأتذكّر سائر الدائرين في فلكهم إلى اليوم وهم، بعَنَتٍ، يجتهدون لكي يتفهّموا جرائم الذبح الوحشيّة على أنّها ردّة فعل على الإساءة إلى “المقدّسات”، أو ليردّوا قطع الأعناق لدى الدواعش وإخوتهم إلى إحياء “سنّة نحر الكفّار”!
أمّا عموم المنكرين لجرائم الذبّاحين من داخل الكلام الإسلاميّ القروسطيّ فمازال فيهم من يردّد أنّ دم المسلم على المسلم حرام، وأنّنا ضدّ ذبح الأبرياء وضدّ قتل النفس بغير حقّ أو فساد في الأرض. يردّدون ذلك وفي نيّتهم أنْ ينأوا بأنفسهم عن جرائم الدواعش والحقّ أنّهم دواعش بالقوّة أو دواعش أعوزهم التمكين. متاهة مفهوميّة يصعب الفكاك منها. ماذا عن ذُبح غير “البريء”، أيجوز؟ ومن يحدّد البريء من غير البريء، ومن يحدّد الحقّ من الباطل لنعرف قتل النفس بالحقّ وبغير الحقّ. وما كنْه الفساد حتّى نتبيّن المفسد في الأرض من غير المفسد.
ثمّ إنّ المسلم متى استرخص دم غير المسلم فإنّه سرعان ما يسترخص دم أخيه. ومتى استرخص دم من ليس على دينه أو ملّته فإنّه سيسترخص دم من ليس على مذهبه، ثمّ يمرّ إلى من ليس على فرقته، فإلى من ليس على طائفته، فإلى من ليس على حزبه. وأخيرا فإنّه سيسترخص دم عموم من ليس على رأيه !
داعش قد تخفي أخرى. وفِقه أهل التبرير أمضى واشنع من مُدية كلّ ذبّاح ضحوك!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.