حين يصبح حبّ الوطن لعنة تطاردنا …

0 419

بقلم : رشيد الكرّاي

 

إذا قرأ أحد منكم لي مقالا أو سمعني أتحدث حيثما كان عن الوطنية والمصلحة الوطنية ، فلا يصدقني ويثق بي ، ذلك لأنني أصبحت أنا شخصيا غير متأكد من صحة وإيمان ما أقوله . لعل السبب المباشر الذي دفعني لينتابني هذا الشعور بأن الجميع يقول نفس هذا الكلام ، الصالح والطالح ، الذي لم يأخذ من السياسة سوى القهر والهمّ وعدم التقدير لما ضحى به من وقته وجهده وعائلته ، على قلّتهم ، كذلك المنافقين والمرتزقة والوصوليين ، يقولون نفس الكلام بأن المصلحة الوطنية هي فوق كل اعتبار. وهذا الأمر يقودنا لحقيقة مرّة كنت لا أتمنى أن أتفوّه بها في يوم من الأيام ، وهي أن المزايدات في حب الوطن أصبحت وسيلة وليست غاية للذين يعبثون في أرضنا التونسية الطاهرة تحت مسمى المصلحة الوطنية .

لقد أصبحت الأمّ سلعة ، ومع الأسف سلعة رخيصة ، يتم استغلالها بطريقة وحشية من أجل حاجات في بعض أصحاب النفوس الضعيفة . فإذا الابن جعل من أمه سلّما للصعود عليه ، فلا خير في هذا الابن ، لأنه تجاوز بذلك أعلى مستويات العقوق ، فإنْ كنّا نحن شعب تونس أبناء فأمّنا هي تونس .

أرى اليوم أنه من الظلم عدم معرفة من هو الصالح لهذا الوطن ، و من هو لا يهمه مصلحة هذا الوطن، والظلم يكمن كما ذكرت هو أن الجميع يتغنّى باسم الوطن ، وأعترف هنا بأنّ ذلك مصيبة كبيرة وكبيرة جداً. نحن نعيش اليوم وسط بيئة ظلماء لا نستطيع فيها تمييز البعض عن الأخر ، حتى وإن كانت هناك شواهد كثيرة على معرفة الفرْق بين المحب والذي يدّعي الحب ، إلا أن هناك الكثيرون لا يستطعون فك بعض طلاسم الآخرين. هناك أوفياء لهذا البلد مخدوعين كثيرا بأشخاص يعتقدون بأنهم هم بُناة هذا الوطن من خلال حراكهم وحديثهم المستمر الذي عادة ما تتخلله كلمة تغليب المصلحة الوطنية ، لكن للأسف الغالبية العظمى هم من المخدوعين ، و ذلك ليس لأنهم سذج بل لأنهم من المغرّر بهم من أهل تونس الطيبين والذين عُرف عنهم حبهم لأي شخص يخرج منه خطاب باسم الوطن.

ألم نسمع في ذلك المجلس الذي أصبح للأسف يبعث على القرف والصداع يوم التصويت على الحكومة الجديدة ، سيلا من الكلام المعسول عن الوطن ومصلحة الوطن ، أغلبه يبعث على الشفقة على أولئك الناخبين الذين صوّتوا لذلكم النوّاب ليسمعوا منهم “سنمنحكم صوتنا لكن ليس ثقتنا” وكأنّ الصوت لا يعني منح الثقة ، وكأن الجلسة لا توضع في خانة جلسة منح الثقة للحكومة وهي سبب التآمها.

ألم نسمع في ذلك المجلس وفي المنابر الإعلامية ذلك الفتى النائب وعنتريّاته الصبيانية وهو يتحدث عن الوطن والمصلحة الوطنية العليا ، مع أن كلّ مؤهلاته لا تتعدّى الصراخ والسبّ والقذف في الخطب والمحاضرات التي تستمر لساعات دون أن يأتي بجديد سوى تناقضات أصبحت موضعا للتندر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الإجتماعي. 

حقيقة أنّني لم أعد أعرف بلدي تونس ، أنا عرفت شهداء وشجونا وأحزانا وشجعانا يُغتالون ، أنا رأيت وهما صدّقناه أسمَوْه حرية ، جعلناه “حرية كارثية”، ورأيت شعارات جديدة وهتافات جديدة وبألوان قاتمة وبهزائم جديدة. أنا رأيت مدارس لا تدرّس ، وجامعات لا تكوّن ، رأيت متاريسَ وطوائفَ وأسلحةً وأبناءَ وطن واحد يَنهش بعضُهم بعضا ، والجميع يتفرج والأمم تضحك . رأيت الإنسان هنا يرخص ويعلو كل شيء عداه ويموت، فيُنسى أسرع من الموت ، رأيت العرّافين يتسلّلون إلى بيوتنا ليُحِيكوا لنا قدرا أو ربما وطنا ما…

تونس الحبيبة ، لقد ذبحوك من الوريد إلى الوريد ، لقد جففوا ينابيعك بحقدهم ، وحرقوا حقولك بشرورهم ، امتصّوا دمك ، وأكلوا لحمك وشحمك ولم يبقوا لك إلا الجلد والعظم . باسم الله شوّهوك ، باسم الحب قتلوك ، باسم شريعتهم اغتالوك ، وباعوا ترابك وهواءك وماءك وكبرياءك ، ومع ذلك يصفقون لك وينشدون عاش الوطن. يقتلني كذبهم ويزلزلني دجلهم أولئك الذين جيوبهم مع الوطن وسيوفهم على الوطن ، يغنوّن للوطن ويقبضون الثمن ، يحرقون الوطن ويأخذون المُؤن .

فأين أنت يا تونس ، أين رجالك ، وأين أبطالك المخلصين، بل أين الرجال الذين كنّا نعدّهم من الرجال؟ كلنا متحالفون عليك يا وطني لأننا لم نلتزم حب الوطن وغرقنا في صمتنا، وتركناك في مستنقع الفساد كل هذه السنين ، إذن كلنا فاسدون بكذبنا بنفاقنا بصمتنا بدجلنا…

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.