بداية العد العكسي للكشف عن ملامح الحكومة الجديدة عدم مشاركة النهضة يقوّي فرضية نجاح المشيشي..!

0 227

بقلم مراد علالة

انتهى زمن المعجزات، لذلك لن يستطيع المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي قلب الأوضاع رأسا على عقب في صورة ظفره بالثقة في قادم الأيام سواء كانت ثقة قوية أو ثقة الحد الأدنى المطلوب إن جاز القول (المائة وتسعة أصوات) وبقطع النظر كذلك عن تركيبة فريقه الحكومي، في المقابل سيكون بمقدوره وقف النزيف وبداية الإنقاذ وتدشين حقبة إصلاح ما أفسدته الحكومات المتعاقبة.

وعلى هذا الأساس لن تكون المهمة يسيرة، ولعلّه من البديهيات عند سرد شروط النجاح البدء بشطب وحذف أسباب الفشل أو عناصر الإعاقة التي أدت إلى ما نحن فيه اليوم حتى يكون التأسيس للمستقبل على أسس ودعامات سليمة واقعية بعيدا عن الشعارات والأوهام التي دحضها الواقع من قبيل التوافق الذي ظهر مغشوشا والتشارك الذي كان غير متكافئ والوحدة الوطنية التي بدت للأسف زائفة والمصالحة الشاملة التي كانت واهية، وهذه العناوين، وان كانت وصفات جاهزة “خيّرة” للحكم إلا أنها لا تتماشى ومقتضيات المرحلة والتحديات المطروحة خصوصا وأنها جُربت وخابت أو بالأحرى جُرب أصحابها وخابوا.

لقد ظهرت علامات ايجابية في مقاربة المكلف بتشكيل الحكومة بيّنت إلى حد الآن انه مدرك لدروس الماضي وقد تكون تجربته في مفاصل الدولة وتعامله مع الساسة والمتحزبين ساعده في ذلك ونستشف ذلك في مسار مشاوراته لتشكيل فريقه الحكومي منذ لحظة التكليف، فقد فضل أن تكون مشاورات اجتماعية سياسية مع القوى الاجتماعية أولا ممثلة في تنظيمات المجتمع المدني الرئيسية وفي طليعتها الاتحاد العام التونسي للشغل وكذلك الفاعلين الاقتصاديين ثم القوى السياسية في مرحلة ثانية والتي اختزلها في الكتل النيابية والنواب المستقلين دون حديث مباشر عن الأحزاب وفي ذلك انسجام على ما يبدو مع خيارات رئيس الجمهورية وتعاطي ذكي مع الأمر الواقع قد يساعد في فرض خياره.

وبقطع النظر عن تصريحات جميع من تشاور مع السيد هشام المشيشي – وخصوصا من السياسيين- وحاول توجيه مخرجات اللقاءات معه وتصعيد المواقف والإكثار من الشروط في إطار رفع سقف التفاوض، لا أحد بمقدوره اليوم فرض املاءاته على الرجل لأنه لا وجود لكيان سياسي ضمن منظومة 2019 جاهز لبسط هيمنته وتكريس خياراته ليس فقط نتيجة طبيعة النظام السياسي وتشتت الكتل داخل مجلس نواب الشعب وإنما نتيجة الوهن والضعف الداخلي وعدم القدرة على مجاراة نسق الاضطلاع بأعباء الحكم بالنسبة إلى هذه الكيانات. علامة أخرى ايجابية في مقاربة المكلف بتشكيل الحكومة المزكّى من قبل رئيس الجمهورية صاحب الشرعية الانتخابية الكبرى وهي المراهنة القوية على الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يبدو أنه دشّن بدوره مرحلة انسجام مع قرطاج يجب الا تسقط في تقديرنا في مطبات التجربة السابقة زمن الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي.

ويدرك الجميع، والمشيشي أساسا باعتباره المعني الأول بالموضوع اليوم، أنه لا استقرار سياسي بدون استقرار اجتماعي، بعبارة أخرى وبالرجوع الى تاريخ تونس حتى قبل الاستقلال، فانه لا يمكن لمن يحكم تونس أن يتجاوز الدور الوطني والاجتماعي للمنظمة الشغيلة أو أن ينفّذ برنامجه بالتصادم معها وعلى حساب الأجراء وعموم الشعب التونسي.

وفي اطار الرسائل المتبادلة المطمئنة بين المكلف بتشكيل الحكومة و”البطحاء” لم يتردد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي أمس بمناسبة احياء الذكرى 73 لمعركة 5 أوت 1947 بعاصمة الجنوب صفاقس، في الرد بالمثل والتأكيد أن “النقابيين مشاريع شهادة” وأن منظمتهم خُلقت من رحم الشعب وعليه سيكون الاتحاد في مقدمة القوى الوطنية والديمقراطية التقدمية المؤمنة بمدنية الدولة من أجل تعديل البوصلة حول الخيارات الوطنية وسيكون سدا منيعا أمام الخيارات الإخوانية التي دمرت تونس والصخرة التي تتكسر عليها المؤامرات حسب تعبيره.

ويؤكد الاتحاد على لسان أمينه العام دائما انه مع حكومة مضيقة تعي ما لها وما عليها وتكون صادقة مع الشعب وقادرة على الأخذ بزمام الأمور داخليا وخارجيا مع المؤسسات الدولية مع التأكيد على أن الاتحاد لا يرشح أي أسماء لأية حقائب وزارية أو مسؤوليات لكنه يأمل في أن يسير المكلف بتشكيل الحكومة هشام المشيشي في الاتجاه الصحيح. والاتجاه الصحيح في تقديرنا هو القراءة الجيدة للماضي القريب منذ ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة واستخلاص أهم درس وهو عدم التعويل على تشكيلة خاسرة كما يقال بلغة الرياضة والتسريع في استبعاد وتغيير العناصر التي ثبت فشلها في الحكومات المتعاقبة منذ ذلك التاريخ.

إن عدم مشاركة أو تشريك النهضة في الحكومة القادمة وهي الضلع الرئيسي في الحكومات الفاشلة السابقة قد يقوّي فرضية نجاح المشيشي هذه المرة وهذا الخيار ليس نكاية في الحركة أو استئصالا لها كما يروج بعض المستفيدين من “التوزير” و”الغنائم” بقدر ما هو خيار ديمقراطي لتكريس التداول السلمي على المسؤوليات وتفعيل مبدأ المحاسبة وفوق كل ذلك منح فرصة لترتيب النهضويين لبيتهم الداخلي والاستفادة من “استراحة المحارب” للاستحقاقات القادمة والتي قد لا تكون بعيدة إذا انتصر التعنت ولذنا إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة ستجرى في ظروف مشابهة للانتخابات السابقة لكن نتائجها لن تكون بالضرورة متطابقة.

المصدر :  جريدة الصحافة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.