واشنطن تعود لأجواء الحرب الباردة من أفغانستان إلى إدلب

0 48

بقلم : باسل ترجمان

مرّ الإتفاق الموقع بين واشنطن وحركة طالبان برعاية قطرية دون أن يثير اهتماماً بتطورات جديدة تشهدها المنطقة وقد يمهد لعودة حالة من الاستقطاب الأمريكي لأصدقاء الماضي وأعداء الأمس. وقع الإتفاق الذي لم تعرف تفاصيله بعد، لينهي الصراع المباشر والحرب المفتوحة بين الطرفين منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ويضع أمام الجميع حقيقة مفادها أن واشنطن وبعد عشرين عاماً فشلت في الإنتصار وتغيير الواقع الأفغاني، وأن طالبان لم تتخلى عن افكارها المتشددة وتحالفاتها مع الجماعات الإرهابية التي نشأت وترعرعت فيها منذ سبعينيات القرن الماضي، وتحول هذا الفكر المتطرف الذي نشرته هذه الجماعات بدعم أمريكي لمواجهة الغزو السوفياتي لأفغانستان حقيقة واقعة لم تستطع كل الآلة العسكرية الأمريكية أن تغيره ورضخت واشنطن للأمر الواقع وفرضت المتغيرات السياسية عليها أن تعيد التحالف مع أعداء الأمس رغم مرارة أحداث 11 سبتمبر. ما الذي يجبر واشنطن على توقيع مثل هكذا اتفاق يمكن وصفه بالمهين مع أعداء الأمس، وهل فشلت جهود قوى التحالف الدولي الذي غزا أفغانستان بدعم أممي غير مسبوق في التاريخ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في تحقيق النصر على قوى الإرهاب التي كانت ممثلة حينها بتنظيم القاعدة بزعامة بن لادن وحركة طالبان بزعامة الملا عمر، أسئلة تبدو محيرة عند البحث عن أجوبتها خاصة وأن الحرب ضد الإرهاب في أفغانستان توقفت فعلياً ومنذ وقت طويل ولم يعد الحديث عنها من المتداول في المستويات الأمنية أو السياسية أو الإعلامية.

واشنطن التي تسعى لسحب أكبر عدد من قواتها المنتشرة في نقاط كثيرة في العالم والتي وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعودة جزء كبير منها لا يمكن لها أن تترك ورائها الفراغ الذي يسمح بتمدد قوى مازالت بالنسبة لواشنطن ورغم إنتهاء زمن الحقبة الشيوعية والعداء المستفحل معها منذ ثلاثين عاما، لكن روسيا تشكل بقوتها العسكرية وطموحاتها السياسية وأحلامها التوسعية قوة عداء مستمر لواشنطن لا يمكن أن تترك لها المساحات فارغة لتتوسع فيها دون وجود من يملك القدرة على التصدي لهذا التمدد الذي بات واضحاً في سوريا بدرجة مباشرة وفي ليبيا بدرجة أقل.

استعادة أجواء وصراعات الحرب الباردة كان متواجداً بقوة في أحاديث المسؤولين والدبلوماسيين الأمريكيين في الأشهر الماضية خاصة مع العودة للتركيز على خطر التهديد الروسي على المصالح الأمريكية في العالم وأن الكرملين مازال على نفس رؤيته بدعم أنظمة وقوى تناهض السياسات الأمريكية في العالم والقوى التي تعتبرها واشنطن ضمن قوى الحرية والديمقراطية. واشنطن ترى في طالبان وفي مجاميع المعارضة السورية من بقايا تنظيم القاعدة والجماعات التي تدور في فلكها والجيش السوري الحر، وتحت رعاية تركية وإسناد عسكري تركي مباشر، خط دفاع متقدم في مواجهة التمدد الروسي في شرق البحر المتوسط الذي يعتبر تهديد لمصالح واشنطن في المنطقة وفي ظل عجز إسرائيلي واضح عن الإشتباك مع موسكو لما لروسيا من أوراق كثيرة في إسرائيل تجعلها تواجه أية محاولة لدفع حكام تل أبيب للدخول في عداء مكشوف مع الكرملين.

واشنطن تبحث عن تحالفاتها القديمة لمحاولة تجديدها مع القوى التي واجهت معها التمدد السوفياتي في المنطقة وفرقت بينهم وقائع ما بعد انهيار المنظومة الشيوعية. ما يهم واشنطن ليس الثمن الذي ستدفعه مقابل ذلك لهذه القوى حتى لو كان اعترافاً بالهزيمة أمام طالبان ورضوخا لشروطها ومطالبها بل عدم التسليم والقبول بالهزيمة أمام العدو الأكبر موسكو مهما كانت النتائج.

المصدر : الدستور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.