بكاه الخصوم والمحبون ..رئيس الجمهورية يشيع الى مثواه الأخير

0 32

حلقة وصل _

بقلم : أحلام جبري , وات

دخلها من الباب الكبير وخرج من أوسع الأبواب، الباجي قائد السبسي أو البجبوجكما يحلو للتونسيين تسميته، أول رئيس منتخب بصفة ديمقراطية في تونس وأول رئيس تونسي يغادر الحياة وهو على رأس مهامه، دون دبابة أو بيانات أو انقلابات سياسية، بكاه خصومه قبل محبيه، ولم تمنعهم خلافاتهم الجذرية معه في بعض الأحيان من إنكار مآثره ودوره كرجل دولة وطني ساهم في تيسير عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد بعد ثورة 14 جانفي.. عقود من العمل السياسي في رصيد رئيس الجمهورية الراحل، راكمت لديه خبرة وحنكة سياسية مكنته من إحكام تسيير دواليب الدولة في ظرف دقيق سنة2011 ، ومن تنظيم أول انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة في تاريخ تونس، ومن خلق توازن في المشهد السياسي بتأسيسه لحزب ينافس حركة النهضة، ويفوز في الانتخابات ويفرض مبدأ التوافق كقاعدة لتسيير الحكم ، جنب البلاد الدخول في دوامة الصراعات في ظل مشهد سياسي اتسم بالتنوع والتنافر. تكوينه الأكاديمي القانوني والكاريزما الفطرية التي يتحلى بها، وتجربته السياسية الطويلة والثرية، وتوليه أبرز وأهم الحقائب الوزارية في الدولة في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة مثل الداخلية والخارجية والدفاع، إلى جانب طرافة أسلوبه وجرأته المفرطة في بعض الأحيان ، كلها عناصر جعلت خطاباته محل انتظار في كل المناسبات، تثير أغلبها الجدل داخل البلاد وخارجها. بعض قراراته الجريئةخلقت له أعداء وخصوما ، ولكنها في المقابل عززت ما يحظى به من حب واحترام لدى جانب كبير من الفئات التونسية وخاصة لدى النساء، فهو لم يتردد في القيام بمبادرات قانونية اعتبرها البعض مخالفة للشرع : المساواة في الميراث بين الجنسين والتمسك بعلمانية الدولة وإيجاز زواج المسلمة بغير المسلم ، لكنه أكد من خلالها انحيازه التام للمرأة التي اعتبرها درعا واقيا للدولة من السقوط في الظلامية والرجعية ولم ينكر فضلها في فوزه في الانتخابات الرئاسية سنة 2014. يودع التونسيون اليوم السيد الرئيس، والقلوب مطمئنة لاستتباب الأمن في البلاد بعد استكمال مسار انتقال سلمي سلس للسلطة وفق أحكام الدستور: الإعلان عن الوفاة كان في الإبان ثم تتالت الإجراءات القانونية والدستورية اللازمة، اجتماعات رفيعة المستوى، انتهت بأداء رئيس مجلس النواب محمد الناصر اليمين الدستورية ليؤدي مهامه كرئيس مؤقت إلى حين إجراء انتخابات رئاسية سابقة لأوانها، قد تكون مبدئيا في 15 سبتمبر القادم ،وفق رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، نبيل بفون. بوفاة الرئيس الراحل واحترام القائمين على الدولة للقوانين والمؤسسات، وجه التونسيون للعالم بأسره رسالة مفادها نحن دولة ديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات لنا دستور ينظم دواليب الحكم ولنا مؤسسات قوية قادرة على تسيير شؤون البلاد في أصعب حلك الظروف وونمتلك جيشا قويا ومحايدا. درجات الحرارة المرتفعة لم تمنع التونسيين من الانتظار طويلا، أمس، أمام المستشفى العسكري لوداع رئيسهم وإلقاء نظرة أخيرة على موكب نقل جثمانه إلى القصر الرئاسي ولم تمنعهم اليوم أيضا من الوقوف في نقاط مختلفة من مسار مرور جنازته المهيبة لتشييعه إلى مثواه الأخير. وبالرغم من اختلاف مواقف المواطنين حول أدائه كرئيس للجمهورية ومواقفه السياسية خلال السنوات الماضية، فإنهم يرون في شخص قائد السبسي رجل دولة بأتم معنى الكلمة ، وحد الصفوف وجنب البلاد سيناريوهات عديدة في ظرف محلي وإقليمي دقيقحسب تعبير عدد من المواطنين الذين حاورتهم.

الفاضل بن مسعود (موظف متقاعد) قال إنه وبالرغم من خلافه الجوهري مع الرئيس الراحل ومعارضته الشديدة لسياسته فإنه لا يمكن أن ينكر على الرجل حنكته السياسية وقدرته على التأقلم مع الأوضاع ، عندما كان سياسيا خارج الحكم وعندما انتخب رئيسا للجمهورية. وأضاف في تصريح ل(وات) أنه وبالرغم من كل الخلافات يحق للتونسيين الاعتزاز بدولة يحترم فيها القانون ولا يؤثر الموت الفجئي لرئيسها على السير العادي لدواليب الدولة ولم يتبعه انفلات في الوضع الأمني ولا مؤامرات سياسية للاستيلاء على الحكم ولا تدخل للجيش لتولي شؤون الدولة. وأشارت سميرة الكثيري (محامية) إلى أن مرض الرئيس الراحل أثار في البداية مخاوف عديدة مع تداول العديد من السيناريوهات المحتملة لنقل السلطة إلى طرف آخر على نحو مخالف للقوانين ولأحكام الدستور، ولكن ولحسن حظ التونسيين، فإن القائمين على السلطة و المؤسسة العسكرية لم يحيدوا عن أحكام دولة القانون والمؤسسات، مما جعل عملية انتقال السلطة أمرا سهلا وسلسا بعث في نفوس المواطنين الطمأنينة على مسار الأوضاع في البلاد إلى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وأعرب العم محسن (عامل) عن الأمل في أن يتعلم السياسيون الدرس والعبرة من حقيقة الموت الذي لا يستأذن، وأن يضعوا مصلحة الوطن نصب أعينهم، لأن الحكم والسلطة والعناية بالمواطنين، حسب تعبيره، أمانة يحاسب صاحبها أمام الله وليست مجرد تكليف وهيبة في الدنيا.” “البجبوجالذي اقترنت وفاته برمزية عيد الجمهورية أبى إلا أن يتوج مسيرة ثرية لحياته الطويلة التي قاربت القرن كما يليق برجل دولة مثله، دخل حياة التونسيين في أواخر عقده الثامن، شيخا محملا بخبرة عقود من العمل الحكومي والسياسي وتحمل مسؤولية دولة، أوضاعها هشة أمنيا وسياسيا واقتصاديا وغادرهم رئيسا بكاه القريب والبعيد وترك دولة يحترم فيها الدستور والقانون .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.